قلت : رُطبًا : تمييز، فيمن أثبت التاءين، أو حذف إحداهما، ومفعول به، فيمن قرأ بتاء واحدة مع كسر القاف.
ثم قال : وهُزّي إِليك أي : حركي النخلة إليك، أي : جاذبة لها إلى جهتك. فهَزُّ الشيء : تحريكه إلى الجهات المتقابلة تحريكًا عنيفًا، والمراد هنا ما كان بطريق الجذب والدفع. والباء في قوله : بجذع النخلة : صلة للتأكيد، لقول العرب : هزَّ الشيء وهز به، أو للإلصاق. فإذا هززت النخلة تَسَّاقَط أي : تتساقط. وقُرئ : تساقِطَ، وتُسْقِط، أي : النخلة عليك إسقاطًا متواترًا بحسب تواتر الهز رُطبًا جنيًا أي : طريًّا، وهو ما قطع قبل يبسه. فعيل بمعنى مفعول، أي : مجنيًا صالحًا للاجتناء.
ومنها : أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى : وهُزي إليك . لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين، غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى.
وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران٢، وفي نهايتها قال لها : وهُزي إليك . قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى، وأما من قال : إن حبها أولاً كان لله وحده، فلما ولدت انقسم حبها، فهو تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه، لأنها صدّيقة، والصدّيق والصدّيقة لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها.
ومنها : أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة، إذا كان يتحصن بها من الناس، أو من نفسه، كالصوم أو الصمت أو غيرهما، مما يحجزه عن العوام، أو عن الانتصار للنفس.
وقوله تعالى : والسلام عليّ يوم وُلدتُ... الآية : قال الورتجبي : سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية. ثم قال : وسلام عيسى من عين الجمع، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية. وأرفع المقامين سلام الحق على سيد المرسلين كفاحًا في وصاله وكشف جماله، ولو سَلّم عليه بلسانه كان بلسان الحدث، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قِدَمه. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي