فأتت به قومًها عندما طَهُرت من نفاسها، تحملُه أي : حاملة له. قال الكلبي : احتمل يوسف النجار - وكان ابن عمها - مريمَ وابنها عيسى، فأدخلهما غارًا أربعين يومًا، حتى تَعَلّتْ من نفاسها، ثم جاءت به تحمله بعد أربعين يومًا، وكلمها عيسى في الطريق، فقال : يا أمه، أبشري، فإني عبد الله ومسِيحُه. فلما رآها أهلُها، بَكَوا وحزنوا، وكانوا قومًا صالحين. قالوا يا مريمُ لقد جئتِ أي : فعلت شيئًا فَرِيًّا : عظيمًا بديعًا منكرًا، من فَرَى الجلد : قطعه. قال أبو عبيدة :( كل فائق من عَجَب أو عمل فهو فَرِيّ ). قال النبي صلى الله عليه وسلم : في حق عمر رضي الله عنه :" فلم أرَ عَبْقَرِيًا من النَّاس يَفْرِي فَرِيَّه " ١، أي : يعمل عمله.
ومنها : أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى : وهُزي إليك . لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين، غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى.
وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران٢، وفي نهايتها قال لها : وهُزي إليك . قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى، وأما من قال : إن حبها أولاً كان لله وحده، فلما ولدت انقسم حبها، فهو تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه، لأنها صدّيقة، والصدّيق والصدّيقة لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها.
ومنها : أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة، إذا كان يتحصن بها من الناس، أو من نفسه، كالصوم أو الصمت أو غيرهما، مما يحجزه عن العوام، أو عن الانتصار للنفس.
وقوله تعالى : والسلام عليّ يوم وُلدتُ... الآية : قال الورتجبي : سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية. ثم قال : وسلام عيسى من عين الجمع، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية. وأرفع المقامين سلام الحق على سيد المرسلين كفاحًا في وصاله وكشف جماله، ولو سَلّم عليه بلسانه كان بلسان الحدث، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قِدَمه. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي