(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) المبارك النافع الهادي المرشد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والداعي إلى الحق والتنزيه، وقد كان عيسى - عليه السلام - واضح البركات: كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللَّه ويحيي الموتى، وينادي الموتى فيخرجون من قبورهم وأنزل اللَّه تعالى على يديه المائدة من السماء، على أن تكون عيدا لأولهم وآخرهم، فأي بركة أعظم يعطاه مبارك؟!.
ثم قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاة وَالزَّكَاة مَا دُمْتُ حَيًّا)، الإيصاء: الأمر المؤكد الواجب الاتباع أوصاه اللَّه تعالي (بِالصَّلاةِ)، ويكنى بها عن إصلاح نفسه
وتطهيرها والتقريب من اللَّه تعالى، وأن يكون ربانيا في ذات نفسه، (وَالزَّكَاةِ) إعطاء الفقير حقه، وتطهير المجتمع من آثام الفقر فكان الإيصاء بالصلاة والزكاة إصلاحا للنفس والمجتمع، فبالصلاة صلاح النفس وتطهيرها لتألف وتؤلف، وبالزكاة يكون التعاون الاجتماعي بين الغني والفقير.
وقد قرر الغلام الطاهر أن ذلك كتب عليه ما دام حيا، لَا يترخص في ترك الصلاة ولا يسوغ تركها، ولا مسوغ لترك الزكاة إذا توافرت موجباتها.
وإن جعل هذه الأفعال بالماضي لتأكيد حصوله في المستقبل؛ ولأن الماضي والمضارع والأمر إنما هو بالأزمان التي يتفاوت العلم بها عندنا، أما بالنسبة للَّه تعالى فعلمه أزلي لَا تحده الأزمان.
والأمر الثالث ذكره سبحانه وتعالى عند بقوله:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة