فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ .
«من » زائد للتوكيد، والأحزاب : اليهود والنصارى، أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، فاليهود قالوا إنه ساحر، كما تقدّم، وقالوا : إنه ابن يوسف النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم : هو ابن الله. وقالت الملكية : هو ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية : هو الله تعالى، فأفرطت النصارى وغلت، وفرّطت اليهود وقصرت فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا وهم المختلفون في أمره مِن مَشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل : المعنى : فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يقول الكفار يومئذٍ : أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : يَوْمَ يَأْتُونَنَا قال : ذلك يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون : نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون : نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت )، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة الآية، وأشار بيده وقال :( أهل الدنيا في غفلة ) وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال : يوم الحسرة : هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله [ الزمر : ٥٦ ] وعلى هذا ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني