ﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐ

قوله :
أسمع بهم وأبصر.. " ٣٨ " ( سورة مريم )أي : أسمع بهم وأبصر بهم، وهذه من صيغ التعجب على وزن ( افعل به )يعني ما أشد سمعهم، وما أشد بصرهم، فهم الآن يرهفون السمع ويدققون النظر حتى إن الإنسان ليتعجب من سمعهم الدقيق، وبصرهم المحيط بعد أن كانوا في الدنيا يضعون أصابعهم في آذانهم فلا يسمعون، ويستغشون ثيابهم فلا يبصرون، كانوا في عمى عن آيات الله الواضحات التي تثبت صدق الرسل، وعن الآيات التي تحمل الأحكام، وعن الآيات الكونية التي تدل على قدرة الصانع الحكيم.
وقوله : يوم يأتوننا.. " ٣٨ " ( سورة مريم )أي : أسمع بهم وأبصر بهم في هذا اليوم يوم القيامة، والإنسان بحكم خلق الله تعالى له، واستخلافه في الأرض جعل له السيطرة على جوارحه فهو يأمرها فتطيعه، فجوارح الإنسان وطاقاته مسخرة لإرادته، فلسانك تستطيع أن تنطق ب لا إله إلا الله. كما تستطيع أن تقول : لا إله أو تقول : الله ثالث ثلاثة. واللسان مطواع لك لا يعصاك في هذه أو تلك، وما أعطاك الله هذه الحرية وكفل لك الاختيار إلا لأنه سيحاسبك عليها يوم القيامة : أأردت الخير الذي وجهك إليه أم أردت الشر الذي نهاك عنه ؟.
أما يوم القيامة فتنحل هذه الإرادة، ويبطل سلطانها على الجوارح في يوم ينادي فيه الحق تبارك وتعالى :
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " ١٦ " ( سورة غافر )يومها ستشهد الجوارح على صاحبها، كما قال الحق سبحانه وتعالى :
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ٢٤ " ( سورة النور ).
ويقول تعالى :
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ.. " ٢١ " ( سورة فصلت ).
لم لا ؟ وقد تحررت الجوارح من قيد الإرادة، وجاء الوقت لتشتكي إلى الله، وتنطق بكلمة الحق التي كتمتها تحت وطأة الإرادة وقهرها.
وسبق أن ضربنا مثالاً لذلك بمجموعة من الجنود يسيرون تحت إمرة قائدهم المباشر، ويأتمرون بأمره، ويطيعونه طاعة عمياء، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى انطلقت ألسنتهم بالشكوى من تعسف قائدهم وغطرسته.
ثم يقول تعالى :
لكن الظالمون اليوم في ضلالٍ مبينٍ " ٣٨ " ( سورة مريم ).
فيا ليتهم فهموا هذه المسألة، لكنهم ظلموا، وما ظلموا إلا أنفسهم، فالله تبارك وتعالى لا يضره كفر الكافرين، ولا ينقص من ملكه تعالى وسلطانه، لكن كيف يظلم الإنسان نفسه ؟
يظلم الإنسان نفسه ؛ لأنه صاحب عقل واعٍ يستقبل الأشياء ويميزها، وصاحب نفس شهوانية تصادم بشهواتها العاجلة هذا العقل الواعي، وتصادم المنهج الرباني الذي يأمرها بالخير وينهاها عن الشر، هذه النفس بشهواتها تدعو الإنسان إلى مرادها وتوقعه في المتعة الوقتية واللذة الفانية التي تستوجب العذاب وتفوت عليه الخير الباقي والنعيم الدائم.
لذلك يقول تعالى :
ولكن الناس أنفسهم يظلمون " ٤٤ " ( سورة يونس ).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير