أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لا أحد أسمع ولا أبصر أي أشد سمعا وبصرا منهم يوم القيامة.
مما أورد الطبري : فقولوا في عيسى أيها الناس هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغير رشدة٣، وأنه كان ساحرا كذابا، ولا ما قالته النصارى من أنه كان لله ولدا ؛ وإن الله لم يتخذ ولدا ولا ينبغي ذلك له،... لقد كفرت٤ الذين قالوا إن عيسى ابن الله وأعظموا الفرية عليه، فما ينبغي لله أن يتخذ ولدا ولا يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شيء دونه خلقه،... قال له كن فيكون لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه كن فيكون موجودا حادثا لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدة اهـ.
وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم [ أي : ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته سبحانه... هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم أي قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى ]٥.
قال الواحدي وغيره : وإن الله ربي وربكم الآية عطف على قوله : إني عبد الله ، فهو من تمام قول عيسى عليه السلام تقريرا لمعنى العبودية ؛ والآيتان معترضتان ؛ وأبو جعفر وابن كثير وغيرهما يرون هذا، فيكون الخطاب في الآيتين :[ قل ] أمرا لخاتم النبيين بالتبليغ ؛ ويكون الخطاب فيهما لمعاصري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة. فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم عن قتادة : قوله : فاختلف الأحزاب من بينهم ذكر لنا أنه لما رفع ابن مريم انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم، فقالوا للأول : ما تقول في عيسى ؟ قال : هو الله هبط إلى الأرض فخلق ما خلق وأحيا ما أحيا ثم صعد إلى السماء ؛ فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت اليعقوبية من النصارى ؛ وقال الثلاثة الآخرون : نشهد أنك كاذب ؛ فقالوا للثاني : ما تقول في عيسى ؟ قال : هو ابن الله، فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت النسطورية من النصارى ؛ وقال الاثنان الآخران : نشهد أنك كاذب ؛ فقالوا للثالث : ما تقول في عيسى ؟ قال : هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس فكانت الإسرائيلية من النصارى ؛ فقال الرابع : أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه، فاختصم القوم، فقال المرء المسلم : أنشدكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام ؟ وأن الله تبارك وتعالى لا يطعم الطعام ؟ قالوا : اللهم نعم ! قال : هل تعلمون أن عيسى كان ينام ؟ قالوا : اللهم نعم ! فخصمهم المسلم، قال : فاقتتل القوم، قال : فذكر لنا اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم )٦،... { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم شهدوا هولا إذا عظيما. اهـ.
وقوله : فاختلف الأحزاب من بينهم أي : اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله، على أنه ولد زنية، وقالوا : كلامه هذا سحر ؛ وقالت طائفة أخرى : إنما تكلم الله ؛ وقال آخرون : بل هو ابن الله ؛ وقال آخرون : ثالث ثلاثة ؛ وقال آخرون : بل هو عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين ؛ وقد روى نحو هذا عن ابن جريج.. وغير واحد من السلف والخلف، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن [ قسطنطين ] جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم عليه السلام اختلافا متباينا جدا، فقالت كل شرذمة فيه قولا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه، فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة و الروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه يقارب اثني عشر ألف كنيسة، وقوله : فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى، وزعم أن له ولدا، ولكن أنظرهم الله إلى يوم القيامة، وأجلهم حلما إنه لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم.. " ؛ جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ".
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين تعس من عمى عن نور الهدى، وأصم أذنه عن سماع الحق، وضل سعيه في الحياة الدنيا، واختار طريق الخسران التي تنزل بسالكها إلى أسفل من درك الحيوان ؛ ولقد بين القرآن حالهم بالقول الحكيم :{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا )٧، لكن حين يشهدون أهوال الآخرة يقرون بأن حجب الغفلة قد زالت {.. ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون )٨ ؛ وهيهات أن يرجعوا ؛ وهكذا يغلق الشقي عينه ويصم أذنه هنا في هذه العاجلة، فإذا حشر لملاقاة جزائه فتح عينه على الرشد الذي تنكب طريقه ؛ { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد )٩.
وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون حذر الناس يا محمد، وليحذر كل من يأتي منه التحذير، أهوال يوم الخلود، فالذين شقوا في النار خالدين فيها، وأكثر ما يورد الناس السعير الغفلة عن العاقبة والمصير ؛ وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح١٠ فيوقف بين الجنة والنار فيقال يأهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت ـ قال ـ ثم يقال يأهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت-قال- فيؤمر به فيذبح ثم يقال ياأهل الجنة خلود فلا موت وياأهل النار خلود فلا موت ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون " أخرجه البخاري١١ بمعناه عن ابن عمر. إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون نتوفى الأرض ومن عليها، ولا يبقى أحد له ملك أو ملك إلا الله جل علاه، ويرد المكلفون إلينا لنحاسبهم ونجازيهم
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب