وناديناه من جانب الطور الأيمن ، الطور : جبل بين مصر ومدين، أي : ناديناه من ناحيته اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى عليه السلام، فكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى، أو من أيمن، أي : من جانبه الميمون، ومعنى ندائه منه : أنه سمع الكلام من تلك الناحية، وقربناه نجيًّا أي : مناجيًا لنا نُكلمه بلا واسطة، فالتقريب : تقريبُ تكرمة وتشريف، مَثَّلَ حاله عليه السلام بحال من قرّبه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته. وقيل : نجيًا من النجو، وهو العلو والارتفاع، أي : رفعناه من سماء إلى سماء، حتى سمع صريف القلم يكتب له في الألواح.
فالسفلى : أن يفعل العبادة لله تعالى، طالبًا لعوض دنيوي، كسعة الأرزاق، وحفظ الأموال والبدن، فهذا إخلاص العوام، وإنما كان إخلاصًا لأنهم لم يلاحظوا مخلوقًا في عملهم.
والوسطى : أن يعبد الله مخلصًا، طالبًا لعوض أخروي، كالحور والقصور.
والعليا : أن يفعل العبادة قيامًا برسم العبودية، وأدبًا مع عظمة الربوبية، غير ملتفت لجنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة، مع تعظيم نعيم الجنان، لأنه محل اتصال الرؤية ؛ كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
فإذا تحقق للعبد مقام الإخلاص الكامل، صار مقربًا نجيًا في محل المشاهدة والمكالمة. وبالله التوفيق. ليس شوقي من الجنان نعيمًا غير أني أُريدها لأراكَ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي