قلت : جنات عدن : بدل من الجنة، بدل بعض ؛ لاشتمالها عليها، وما بينهما اعتراض، أو نصب على المدح. و بالغيب : حال من عائد الموصول، أي : وعدها، أو من العباد، و مأتِيًا : أصله مأتوي، فأبدل وأدغم كما تقدم.
جنات عدنٍ أي : إقامة، لإقامة داخلها فيها على الأبد، التي وعد الرحمان عبادَه بالغيب أي : ملتبسين بالغيب عنها لم يروها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو ملتبسة بالغيب، أي : غائبة عنهم غير حاضرة. والتعرض لعنوان الرحمانية ؛ للإيذان بأن وعده وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى، إِنه كان وعده مَأْتِيًّا ؛ يأتيه من وعُد به لا محالة، وقيل : هو مفعول بمعنى فاعل، أي : آتيًا لا محالة، وقيل : مأتيًا : منجزًا، من أتى إليه إحسانًا، أي : فعله.
إلا من تاب ورجع إلى ما كان عليه أسلافه، من العلم النافع والعمل الصالح، والتواضع للصالح والطالح، فيرافقهم في جنة الزخارف أو المعارف، التي وعد الرحمان عباده المخصوصين بالغيب، ثم صارت عندهم شهادة، إنه كان وعده مأتيًا، لا يسمعون فيها لغوًا ؛ لأن الحضرة مقدسة عن اللغو، إلا سلامًا ؛ لسلامة صدورهم، ولهم رزقهم فيها من العلوم والأسرار والمواهب، في كل ساعة وحين، لا يرث هذه الجنة إلا من اتقى ما سوى الله، وانقطع بكليته إلى مولاه. وبالله التوفيقإن عاهدوك على الإحسان أو وعدُوا خانوا العهود ولكن بعد ما حلفوا بـل يفخـرون بأجـداد لهـم سـلفـت نِعم الجدود ولكن بئس ما خلَّفوا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي