ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة، أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال : وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى وذلك أن بعض الهدى يجرّ إلى البعض الآخر، والخير يدعو إلى الخير وقيل : المراد بالزيادة : العبادة من المؤمنين، والواو في ويزيد للاستئناف، والجملة مستأنفة لبيان حال المهتدين وقيل : الواو للعطف على فليمدد وقيل : للعطف على جملة من كان في الضلالة .
قال الزجاج : المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقيناً كما جعل جزاء الكافرين أن يمدّهم في ضلالتهم والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا هي الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية، ومعنى كونها خيراً عند الله ثواباً : أنها أنفع عائدة مما يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية وَخَيْرٌ مَرَدّاً المردّ ها هنا مصدر كالردّ، والمعنى : وخير مردّاً للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا فيها، والمردّ : المرجع والعاقبة والتفضل للتهكم بهم للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلاً.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما في قوله : أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ من حديث خباب بن الأرت قال : كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت : والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال : فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك، فأنزل الله فيه هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً قال : لا إله إلا الله يرجو بها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ قال : ماله وولده.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني