قوله تعالى : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْداً ٧٨ .
اعلم أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي قوله : إنه يؤتى يوم القيامة مالا وولداً، بالدليل المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسير والتقسيم. وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل.
وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين : أحدهما حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر، وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين.
والثاني هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين «بالسبر »، وعند الجدليين «بالترديد »، وعند المنطقيين، بالاستثناء في الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث. وبذلك يتمم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه : أنه توتى يوم القيامة مالاً وولداً.
أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول : قولك إنك تؤتي مالاً وولداً يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء :
الأول أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ.
والثاني أن يكون الله أعطاك عهداً بذلك، فإنه إن أعطاك عهداً لن يخلفه.
الثالث أن تكون قلت ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.
وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْداً ٧٨ مبطلاً لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل. لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب. ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. فتعين القسم الثالث وهو أنه قال ذلك افتراءً على الله. وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله، كَلاَّ أي لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً، بل قال ذلك افتراءً على الله، لأنه لو كان أحدهما حاصلاً لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود : أنهم لن تمسَّهم النار إلا أياماً معدودة في سورة «البقرة »، وصرح في ذلك بالقسم الذي هو الحق، وهو أنهم قالوا ذلك كذباً من غير علم. وحذف في «البقرة » قسم اطلاع للغيب المذكور في «مريم » لدلالة ذكره في «مريم » على قصده في «البقرة » كما أن كذبهم الذي صرح به في «البقرة » لم يصرح به في «مريم » لأن ما في «البقرة » يبين ما في «مريم » لأن القرآن العظيم يبين بعضه بعضاً. وذلك في قوله تعالى : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٨٠ فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في «مريم » كما أوضحنا، وما حذل منها يدل عليه ذكره في «مريم » فاتخاذ العهد ذكره في «البقرة ومريم » معاً والكذب في ذلك على الله صرح به في «البقرة » بقوله : أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٨٠ وأشار له في «مريم » بحرف الزجر الذي هو كَلاَّ واطلاع الغيب صرح به في «مريم » وحذفه في «البقرة » لدلالة ما في «مريم » على المقصود في «البقرة » كما أوضحنا.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة.
المسألة الأولى
اعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم تكرر وروده في القرآن العظيم، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في «البقرة » والثاني في «مريم » كما أوضحناه آنفاً. وذكر السيوطي في الإتقان في كلامه على جدل القرآن مثالاً واحداً للسبر والتقسيم، ومضمون المثال الذي ذكره باختصار، هو ما تضمنه قوله تعالى : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ الآيتين، فكأن الله يقول للذين حرموا بعض الإناث كالبحائر والسوائب دون بعضها، وحرموا بعض الذكور كالحامي دون بعضها : لا يخلو تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معللاً بعلة معقولة أو تعبدياً. وعلى أنه معلل بعلة فإما أن تكون العلة في المحرم من الإناث الأنوثة، ومن الذكور الذكورة. أو تكون العلة فيهما معاً التخلق في الرحم، واشتمالها عليهما، هذه هي الأقسام التي يمكن ادعاء إناطة الحكم بها. ثم بعد حصر الأوصاف بهذا التقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة. أي اختبارها ليتميز الصحيح من الباطل فنجدها كلها باطلة بالسبر الصحيح، لأن كون العلة الذكورة يقتضي تحريم كل ذكر وأنتم تحلون بعض الذكور، فدل ذلك على بطلان التعليل بالذكورة لقادح النقض الذي هو عدم الاطراد. وكون العلة الأنوثة يقتضي تحريم كل أنثى كما ذكرنا فيما قبله. وكون العلة اشتمال الرحم عليهما يقتضي تحريم الجمع. وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله : قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أي فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر. ولو كانت الأنوثة لحرمت كل أنثى. ولو كانت اشتمال الرحم عليهما لحرم الجميع. وكون ذلك تعبدياً يقتضي أن الله وصاكم به بلا واسطة. إذ لم يأتكم منه رسول بذلك. فدل ذلك على أنه باطل أيضاً، وأشار تعالى إلى بطلانه بقوله : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا لم بين أن ذلك التحريم بغير دليل من أشنع الظلم، وأنه كذب مفتري وإضلال بقوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٤٤ ثم أكد عدم التحريم في ذلك بقوله : قُل لاَ أَجِدُ في مَا أُوْحِي إِلَيَّّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .
والحاصل أن إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان الحكم المذكور كما أوضحنا. ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن قوله تعالى : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ٣٥ فكأنه تعالى يقول : لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح. الأولى أن يكونوا خُلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلاً. الثانية أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه. والثالث هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا.
واعلم أن المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله عند المنطقيين والأصوليين.
المسألة الثانية
اعلم أن مقصود الجدليين من هذا الدليل معرفة الصحيح والباطل من أوصاف محل النزاع، وهو عندهم يتركب من أمرين : الأول حصر أوصاف المحل. والثاني إبطال الباطل منها وتصحيح الصحيح مطلقاً، وقد تكون باطلة كلها فيتحقق بطلان الحكم المستند إليها، كآية قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ المتقدمة. وقد يكون بعضها باطلاً وبعضها صحيحاً : كآية «مريم والبقرة، والطور » التي قدمنا إيضاح هذا الدليل في كل واحدة منها. وهذا الدليل أعم نفعاً، وأكثر فائدة على طريق الجدليين منه على طريق الأصوليين والمنطقيين.
المسألة الثالثة
اعلم أن السبر والتقسيم عند الأصوليين يستعمل في شيءٍ خاص، وهو استنباط علة الحكم الشرعي بمسلك السبر والتقسيم. وضابط هذا الملك عند الأصوليين أمران : الأول هو حصر أوصاف الأصل المقيس عليه بطريق من طرق الحصر التي سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى. والثاني إبطال ما ليس صالحاً للعلة بطريق من طرق الإبطال التي سنذكر أيضاً بعضها إن شاء الله تعالى. وزاد بعضهم أمراً ثالثاً وهو الإجماع على أن حكم الأصل معلل في الجملة لا تعبدي، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير، والحاصل أن هذا الدليل يتركب عند الأصوليين من أمرين. الأول حصر أوصاف المحل. والثاني إبطال ما ليس صالحاً للعلة، فإن كان الحصر والإبطال معاً قطعيين فهو دليل قطعي، وإن كانا ظنيين أو أحدهما ظنياً فهو دليل ظني. ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطيعين قوله تعالى : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ٣٥ لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه، لأنهم إما إن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم. ولا رابع البتة. وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه : فيتعين أن الثالث حق لا شك فيه. وقد حذف في الآية لظهوره. فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعي من هذا الدليل إنما يصح على المراد به عند الجدليين دون الأصوليين، لأن المراد التمثيل للقطعي من هذا الدليل ولو بمعناه الأعم، والقطعي منه لا يمكن الاختلاف فيه. وأما الظني فإن العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل. وقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه. والنّورة ونحوها بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح فيقول بعضهم : هذا وصف يصح إبطاله، ويقول الآخر : هو ليس بصالح فيلزم إبطاله كقولهم مثلاً في حصر أوصاف البر الذي هو الأصل مثلاً المحرم فيه الربا إذا أريد قياس الذرة عليه مثلاً، أما أن يكون علة تحريم الربا في البر الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار أو هماً وغلبة العيش به أو المالية والملكية يقول المالكي غير الاقتيات والادخار باطل، ويدعى أن دليل بطلانه عدم الاطراد الذي هو النقض. ويقول الحنفي والحنبلي غير الكيل من تلك الأوصاف باطل، والكيل هو العلة هي مناط الحكم، ويستدل على ذلك بأحاديث كحديث حيان بن عبيد الله عند الحاكم، وفيه بعد ذكر الستة التي يمنع فيها الربا. وكذلك كل ما يكال أو يوزن وبالحديث الصحيح الذي فيه. وكذلك الميزان كما قدمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية الربا. ويقول الشافعي غير الطعم باطل، والعلة في تحريم الربا في البر الطعم، ويستدل بحديث معمر بن عبد الله عند مسلم «الطعام بالطعام مثلاً بمثل » الحديث كما تقدم إيضاحه أيضاً في البقرة. وهذا النوع من القياس الذي يختلف المجتهدون في العلة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركب الأصل، وأشار إليه في مراقي السعود بقوله :
| وإن يكن لعلتين اختلفا | تركب الأصل لدي من سلفا |
| مركب الوصف إذا الخصم منع | وجود ذا الوصف في الأصل المتبع |
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان