ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

النجار عن أنس رضي الله عنه: «العلماء ورثة الأنبياء» «١»
وقوله سبحانه: وَيَأْتِينا فَرْداً يتضمن ذلته.
وفي الجملة: إن الاعتزاز القائم في الدنيا بالمال والولد لبعض الكفار لا ينفع في الآخرة أبدا، ويتبدل هذا الحال إلى حال أخرى وهي الذلة، والخراب، والفقر، والضياع لأن الإنسان في الآخرة لا يستفيد شيئا من مال الدنيا، وليس لابن آدم في الآخرة من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأبقى، يعني أن فائدة المال في الآخرة محصورة فيما قصد به وجه الله من الإنفاق في سبيل الله، أو التصدق به على المحاويج.
تعدد الآلهة عند المشركين
أخطأ المشركون خطأ بالغا حين اعتقدوا بتعدد الآلهة، وأن الأصنام والأوثان تكون لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من الهلاك، ومن أسوأ نتائج الشرك والتعدد: أن هذه الآلهة المزعومة ستكون أعداء لعبدتها، ومنشأ هذا الاعتقاد الفاسد: وسوسة الشيطان، ومع ذلك ترك الله تعالى الفرصة الكافية لهؤلاء المشركين، فلم يعجل لهم العذاب حتى يتداركوا الموقف، ويصححوا الاعتقاد، قال الله تعالى واصفا هذه العقيدة الوثنية:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)
«٢» »
«٤»

(١) رمز له السيوطي بأنه ضعيف، والواقع له طرق وروايات ترفعه إلى مرتبة الحسن.
(٢) شفعاء وأنصارا.
(٣) ليسوا أعوانا لهم.
(٤) أي تهيجهم وتحركهم تهييجا وتحريكا نحو الكفر والضلال.

صفحة رقم 1501

«١» «٢» [مريم: ١٩/ ٨١- ٨٧].
المعنى: اتخذ عبدة الأوثان آلهة من الأصنام وكل ما عبد من دون الله تبارك وتعالى، ليكونوا لهم أنصارا وأعوانا وشفعاء عند ربهم يقربونهم إليه، ويحققون لهم المنفعة وغير ذلك من وجوه الخير.
ولكن ليس الأمر كما زعموا ولا كما طمعوا، كلا: زجر وردع وردّ، إن هذه الآلهة المزعومة ستتنكر لعبادة عبدتها الكفار، يوم ينطقها الله، وتتبرأ من العابدين، وتكون أعداء وأضدادا لهم وأعوانا عليهم، لا لهم، بخلاف ما ظنوا، فيقولون: ما عبدتمونا، كما جاء في آية أخرى: ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص: ٢٨/ ٦٣]. وقوله سبحانه: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) [البقرة: ٢/ ١٦٦].
هذه حال الكفار مع الأصنام، ثم ذكر الله تعالى حال الكفار مع الشياطين في الدنيا، فإنهم يسألونهم وينقادون لهم، فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)، أي ألم تعلم أننا سلطنا الشياطين على الكفار، وخلينا بينهم وبينهم، ومكناهم من إضلالهم، فهم يحركونهم إلى فعل المعاصي، ويهيجونهم إلى الكفر والضلال ويغوونهم، كما قال الله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [الإسراء: ١٧/ ٦٤].
فلا تتعجل يا محمد على هؤلاء، بأن تطلب تعذيبهم وإهلاكهم، بسبب تصميمهم على الكفر والضلال، إنما نعد لهم أوقاتا معدودة، ونؤخرهم لأجل معدود مضبوط،

(١) وافدين وفدا.
(٢) عطاشا كالتي ترد الماء.

صفحة رقم 1502

هو انتهاء آجالهم، وهم صائرون إلى عذاب الله ونكاله حتما، فليس بينك وبين عذابهم إلا أوقات محصورة ومعدودة، وكل آت قريب، كما جاء في آية أخرى:
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ١٤/ ٤٢].
ثم وازن الله تعالى بين المتقين وبين المجرمين في وقت الحشر، وأبان أنه يفصل بين الفريقين فقال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم نحشر جماعة المتقين وافدين ركبانا، إلى جنة الله ودار كرامته. والوفد:
القادمون ركبانا، مراكبهم من نور، من مراكب الدار الآخرة.
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) أي ونحمل المجرمين المكذبين على السير العنيف طردا إلى جهنم، مشاة عطاشا، كالإبل ترد الماء.
لا يملك أحد عند الله الشفاعة لغيره إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها، بأن كان صالح الاعتقاد والقول والعمل، وكان في الدنيا هاديا مصلحا. أما شفاعة الآلهة المزعومة: فهي مجرد أمنيات زائفة، وأوهام فارغة، فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.
أي إن من كان له عمل صالح مبرّز يحصل به في حيز من يشفع. وقد تظاهرت الأحاديث: أن أهل العلم والفضل والصلاح يشفعون فيشفّعون،
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن قيس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «في أمتي رجل يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم».
نسبة الولد لله تعالى
إن من أكبر الجرائم وأعظم الآثام جريمة الشرك باتخاذ شريك لله تعالى، ونسبة الولد لله عز وجل، فهذا من الإفك والقول المفترى، ومما يتصادم مع عظمة الله

صفحة رقم 1503

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية