ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

كلا : تنفي أن يكون لهؤلاء عز في عبادة ما دون الله، بل : كلا سيكفرون بعبادتهم " ٨٢ " ( سورة مريم ) :
هذه الآلهة نفسها ستكفر بعبادتهم، وتنكر أن تكون هي آلهة من دون الله، وأكثر من ذلك : ويكونوا عليهم ضداً " ٨٢ " ( سورة مريم ) :
أي : في حين اتخذها الكفار آلهة من دون الله وطلبوا العزة في عبادتها تنقلب عليهم، وتكون ضداً لهم وخصماً.
والضد : هو العدو المخالف لك، والذي يحاول أن ينكل بك. وفي القرآن الكريم حوارات كثيرة بين هذه المعبودات ومن عبدوها، فمثلاً الذين عبدوا الملائكة واتخذوها آلهة من دون الله : يسأل الله الملائكة :
أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون " ٤٠ " ( سورة سبأ ).
فيجيبون : سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون " ٤١ " ( سورة سبأ ).
ويقول الحق سبحانه وتعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. " ١٦٦ " ( سورة البقرة ).
لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن هؤلاء : ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون " ٥ " ( سورة الأحقاف ).
إذن : ما ظنه الكفار عزاً ومنعة صار عليهم ضداً وعداوة، كالفتاة التي قالت لأبيها : يا أبت ما حملك على أن تقبلني مخطوبة لابن فلان ؟ أي : ماذا أعجبك فيه ؟ قال : يا بنيتي إنهم أهل عز وأهل جاه وشرف وأهل قوة ومنعة، فقالت : يا أبت لقد قدرت أن يكون بيني وبين ابنهم ود، ولم تقدر أن يكون بيني وبينه كراهية، فإن حدثت الكراهية سيكون ما قلته ضدك، وستشقى أنت بهذا العز وبهذا الجاه.
ومن الناس من اتخذ من المال إلهاً، على حد قول الشاعر :
وللمال قوم إن بدا المال قائلاً**** أنا المال قال القوم إياك نعبد
وهؤلاء الذين يعبدون المال، ويرون فيه القوة، ويعتزون به لا يدرون أنه سيكون وبالاً ونكالاً عليهم يوم القيامة :
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " ٣٥ " ( سورة التوبة ).
وهكذا، كلما زاد حرصه على المال زاد كيه. وتلحظ في الآية الترتيب الطبيعي لموقف السؤال حين يقف السائل الفقير أمام الغني اللئيم، فأول ما يطالع السائل يتغير وجهه، ثم يشيح عنه بوجهه، فيعطيه جنيه، ثم يدير له ظهره معرضاً عنه، وبنفس هذا الترتيب يكون العذاب ويكون الكي والعياذ بالله. وينقلب المال الذي ظن العزة فيه إلى نكالٍ ووبالٍ.
يقول تعالى : وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين " ٦ " ( سورة الأحقاف ).
حتى الجوارح التي تمتعت بمعصيتك في الدنيا ستشهد عليك : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ٢٤ " ( سورة النور ) :
ذلك لأنك غفلت عمن كان يجب ألا تغفل عنه، وذكرت من كان يجب ألا تذكره، فالإله الحق الذي غفلت عنه يطلبك الآن ويحاسبك، والإله الباطل الذي اتخذته يتخلى عنك ويسلمك للهلاك.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير