ثم يقص الله على رسوله حديث موسى، نموذجا لرعايته للمختارين لحمل دعوته : وقصة موسى هي أكثر قصص المرسلين ورودا في القرآن. وهي تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة التي تعرض فيها وجوها وظلها. وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة. وسورة المائدة. وسورة الأعراف. وسورة يونس. وسورة الإسراء. وسورة الكهف.. وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى.
وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة : حلقة وقوف بني إسرائيل أمام الأرض المقدسة لا يدخلون لأن فيها قوما جبارين. وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة : حلقة لقاء موسى للعبد الصالح وصحبته فترة..
فأما في البقرة والأعراف ويونس وفي هذه السورة - طه - فقد وردت منها حلقات كثيرة. ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى. تختلف الحلقات المعروضة، كما يختلف الجانب الذي تعرض منه تنسيقا له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها.
في البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملأ الأعلى، وعهد الله إليه بخلافة الأرض ونعمته عليه بعد ما غفر له.. فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل تذكيرا لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه. واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم وإطعامهم المن والسلوى، وذكرت مواعدة موسى وعبادتهم للعجل من بعده، ثم غفرانه لهم. وعهده إليهم تحت الجبل. ثم عدوانهم في السبت. وقصة البقرة.
وفي الأعراف سبقها الإنذار وعواقب المكذبين بالآيات قبل موسى - عليه السلام - فجاءت قصة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة، وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل. وخاتمة فرعون وملئه المكذبين. ثم ما كان من بني إسرائيل بعد ذلك من اتخاذ العجل في غيبة موسى. وتنتهي القصة بإعلان فيها وراثة رحمة الله وهداه للذين يتبعون الرسول النبي الأمي.
وفي يونس سبقها عرض مصارع المكذبين. فجاءت قصة موسى من حلقة الرسالة، وعرض مشهد السحرة، ومصرع فرعون وقومه بالتفصيل.
أما هنا في طه. فقد سبقها مطلع السورة يشف عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته. فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة ؛ وتضمن نماذج من رعاية الله لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده ؛ وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة، فقد كانت ترافقه في طفولته، فتحرسه وتتعهده :( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني )..
فلنأخذ في تتبع حلقات القصة كما وردت في السياق.
فها هو ذا موسى - عليه السلام - في الطريق بين مدين ومصر إلى جانب الطور ها هو ذا عائد بأهله بعد أن قضى فترة التعاقد بينه وبين نبي الله شعيب، على أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ثماني سنوات أو عشرا. والأرجح أنه وفى عشرا ؛ ثم خطر له أن يفارق شعيبا وأن يستقل بنفسه وبزوجه، ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه، والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره.
لماذا عاد. وقد خرج من مصر طريدا. قتل قبطيا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هاربا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانا ؟ حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه ؟
إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارا لما تهيئه لموسى من أدوار.. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال.. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار..
وهكذا عاد موسى. وهكذا ضل طريقه في الصحراء ومعه زوجه وقد يكون معهما خادم. ضل طريقه والليل مظلم، والمتاهة واسعة. نعرف هذا من قوله لأهله :( امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ).. فأهل البادية يوقدون النار عادة على مرتفع من الأرض، ليراها الساري في الصحراء، فتكشف له عن الطريق، أو يجد عندها القرى والضيافة ومن يهديه إلى الطريق.
ولقد رأى موسى النار في الفلاة. فاستبشر. وذهب ليأتي منها بقبس يستدفى ء به أهله، فالليلة باردة وليالي الصحراء باردة قارة. أو ليجد عندها من يهديه إلى الطريق ؛ أو يهتدي على ضوئها إلى الطريق.
لقد ذهب يطلب قبسا من النار ؛ ويطلب هاديا في السرى.. ولكنه وجد المفاجأة الكبرى. إنها النار التي تدفىء. لا الأجسام ولكن الأرواح. النار التي تهدي لا في السرى ولكن في الرحلة الكبرى :
ثم يقص الله على رسوله حديث موسى، نموذجا لرعايته للمختارين لحمل دعوته : وقصة موسى هي أكثر قصص المرسلين ورودا في القرآن. وهي تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة التي تعرض فيها وجوها وظلها. وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة. وسورة المائدة. وسورة الأعراف. وسورة يونس. وسورة الإسراء. وسورة الكهف.. وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى.
وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة : حلقة وقوف بني إسرائيل أمام الأرض المقدسة لا يدخلون لأن فيها قوما جبارين. وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة : حلقة لقاء موسى للعبد الصالح وصحبته فترة..
فأما في البقرة والأعراف ويونس وفي هذه السورة - طه - فقد وردت منها حلقات كثيرة. ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى. تختلف الحلقات المعروضة، كما يختلف الجانب الذي تعرض منه تنسيقا له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها.
في البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملأ الأعلى، وعهد الله إليه بخلافة الأرض ونعمته عليه بعد ما غفر له.. فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل تذكيرا لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه. واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم وإطعامهم المن والسلوى، وذكرت مواعدة موسى وعبادتهم للعجل من بعده، ثم غفرانه لهم. وعهده إليهم تحت الجبل. ثم عدوانهم في السبت. وقصة البقرة.
وفي الأعراف سبقها الإنذار وعواقب المكذبين بالآيات قبل موسى - عليه السلام - فجاءت قصة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة، وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل. وخاتمة فرعون وملئه المكذبين. ثم ما كان من بني إسرائيل بعد ذلك من اتخاذ العجل في غيبة موسى. وتنتهي القصة بإعلان فيها وراثة رحمة الله وهداه للذين يتبعون الرسول النبي الأمي.
وفي يونس سبقها عرض مصارع المكذبين. فجاءت قصة موسى من حلقة الرسالة، وعرض مشهد السحرة، ومصرع فرعون وقومه بالتفصيل.
أما هنا في طه. فقد سبقها مطلع السورة يشف عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته. فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة ؛ وتضمن نماذج من رعاية الله لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده ؛ وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة، فقد كانت ترافقه في طفولته، فتحرسه وتتعهده :( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني )..
فلنأخذ في تتبع حلقات القصة كما وردت في السياق.
فها هو ذا موسى - عليه السلام - في الطريق بين مدين ومصر إلى جانب الطور ها هو ذا عائد بأهله بعد أن قضى فترة التعاقد بينه وبين نبي الله شعيب، على أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ثماني سنوات أو عشرا. والأرجح أنه وفى عشرا ؛ ثم خطر له أن يفارق شعيبا وأن يستقل بنفسه وبزوجه، ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه، والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره.
لماذا عاد. وقد خرج من مصر طريدا. قتل قبطيا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هاربا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانا ؟ حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه ؟
إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارا لما تهيئه لموسى من أدوار.. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال.. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار..
وهكذا عاد موسى. وهكذا ضل طريقه في الصحراء ومعه زوجه وقد يكون معهما خادم. ضل طريقه والليل مظلم، والمتاهة واسعة. نعرف هذا من قوله لأهله :( امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ).. فأهل البادية يوقدون النار عادة على مرتفع من الأرض، ليراها الساري في الصحراء، فتكشف له عن الطريق، أو يجد عندها القرى والضيافة ومن يهديه إلى الطريق.
ولقد رأى موسى النار في الفلاة. فاستبشر. وذهب ليأتي منها بقبس يستدفى ء به أهله، فالليلة باردة وليالي الصحراء باردة قارة. أو ليجد عندها من يهديه إلى الطريق ؛ أو يهتدي على ضوئها إلى الطريق.
لقد ذهب يطلب قبسا من النار ؛ ويطلب هاديا في السرى.. ولكنه وجد المفاجأة الكبرى. إنها النار التي تدفىء. لا الأجسام ولكن الأرواح. النار التي تهدي لا في السرى ولكن في الرحلة الكبرى :