الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثين في المصحف الكريم
كلنا نذكر ما جاء في فاتحة سورة ( طه ) المكية التي خصصنا لتفسيرها الأحاديث الثلاثة الماضية، والتي يتم تفسيرها في هذا الحديث بإذن الله ومعونته، فقد قال تعالى في مطلعها : طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى، تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى ، وكان مطلعها هذا مناسبا تمام المناسبة لخاتمة سورة( مريم ) التي سبقتها مباشرة، تلك الخاتمة التي تضمنت التنويه بكتاب الله، إذ جاء فيها قوله تعالى بالخصوص : فإنما يسرناه لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا فكانت بداية سورة طه تأكيدا جديدا لنهاية سورة مريم، إذ ( التذكرة ) التي استعملها كتاب الله هنا هي نفس ( البشارة والنذارة ) التي استعملها هناك.
وقد لاحظنا في الربع الماضي أنه بمجرد ما انتهى كتاب الله من ( حديث موسى ) عاد إلى نقطة الانطلاق التي مهدت لذلك الحديث، فقال تعالى : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد أتيناك من لدنا ذكرا، من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه، وساء لهم يوم القيامة حملا . وهكذا عاد كتاب الله إلى التنويه بالذكر الحكيم، وجدد الدعوة إلى الإقبال عليه واتباع هديه القويم، وبين ما يؤدي إليه ترك العمل به من الأوزار والآثام، وما يتعرض له المعرضون عنه من العقوبات الجسام. وزاد كتاب الله هذا المعنى توكيدا وتوضيحا، فقال تعالى في هذا الربع : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً فتعالى الله الملك الحق . وواضح ما لهذه الآية الكريمة من ارتباط وثيق بقوله تعالى في مطلع السورة : إلا تذكرة لمن يخشى فهي كما يقال " عود على بدء ". ومعنى لفظ " التذكرة " الوارد هناك هو نفس معنى ( الذكر ) الوارد في قوله تعالى : أو يحدث لهم ذكرا في هذا الربع، فكلاهما يؤدي في هذا السياق معنى العظة والتدبر والاعتبار.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري