ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٧:وكما قص كتاب الله في هذه السورة ( سورة طه ) قصة موسى مع فرعون، ردد فيها أيضا صدى قصة آدم مع إبليس، التي سبق ذكرها في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة الحجر، وسورة الكهف، والحكمة في ذلك حسبما يظهر من السياق هي تنبيه بني آدم إلى وجوب التحفظ من وسوسة الشيطان، والحذر التام من التعرض لغوائله، حتى يسعدوا بنعيم الجنة ولا يشقوا بعذاب النار فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو .
وجوابا عن سؤال :" كيف أسكن الله تعالى آدم وحواء الجنة، وكيف أزلهما الشيطان عنها "، أجاب القاضي عبد الجبار في كتابه ( تنزيه القرآن عن المطاعن ) قائلا ما خلاصته :" إن آدم وحواء اعتقدا أن الله تعالى إنما نهى عن شجرة بعينها، لا أنه نهى عن جنس الشجر كله، ولما ذهلا عن هذا التأويل وقع ما وقع، ولذلك قال تعالى : فنسي ولم نجد له عزما ثم من بعد ذلك تاب الله عليهما، فزال تأثير تلك المعصية، ولذلك قال تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه .
ومن لطائف التفسير التي عرفتها هذه القصة ما أبدع به القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) عند تحليله لها إذ قال :" حاش لله أن يقع الأنبياء في الذنوب عمدا منهم إليها، واقتحاما لها مع العلم بها، فإن الأوساط من المسلمين يتورعون عن ذلك فكيف بالنبيين، ولكن الباري سبحانه وتعالى بحكمه النافذ، وقضائه السابق، أسلم آدم إلى المخالفة، فوقع فيها ( متعمدا ناسيا )، فقيل في تعمده ( عصى آدم ربه )، وقيل في بيان عذره ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي . ونظيره من التمثيلات أن يحلف الرجل : لا يدخل دارا أبدا، فيدخلها متعمدا، ناسيا ليمينه، أو مخطئا في تأويله، فهو عامد ناس، ومتعلق العمد غير متعلق النسيان ".
ويرى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره " أن الخطيئة يومئذ لم يكن مرتبا عليها جزاء عقاب أخروي ولا نقص في الدين، وإنما أوجبت تأديبا عاجلا، لأن الإنسان يومئذ كان في طور كطور الصبا، فلذلك لم يكن ارتكابها بقادح في نبوة آدم، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى . يضاف إلى ذلك أن العالم الذي عاش فيه آدم في مستهل حياته لم يكن ( عالم تكليف ) بالمعنى المتعارف عند أهل الشرائع، بل عالم تربية فقط، فإطلاق " المعصية " و " التوبة " و " ظلم النفس " مما ورد في قصة آدم هو بغير المعنى الشرعي المعروف، وتوبة الله عليها بمعنى التسبب في حرمانها من لذات كثيرة بسبب لذة قليلة،
وقوله تعالى في سورة البقرة في نهاية قصة آدم : قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ الآيتان : ٣٨، ٣٩ ] هو الذي بين لهم به الحق سبحانه وتعالى أن المعصية إن وقعت بعد ذلك اليوم يكون جزاؤها جهنم ".
وبنفس المعنى جاء قول الله تعالى في هذا الربع في ختام نفس القصة : فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى كأن التكليف لم يكن مفعوله من قبل ساريا ولا حكمه سائدا، وإنما ابتدأ من الآن فصاعدا.


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير