ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

بدأت السورة بالحديث عن القرآن، وأنه لم ينزل على الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ليشقى به أو بسببه. ومن القرآن قصة موسى - عليه السلام - وما يبدو فيها من رعاية الله وعنايته بموسى وأخيه وقومه.
فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته، وعاقبة من يعرض عنه. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا ؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحي القيوم. لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكرها بالله ويصلها به.. وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه. إنما يطلب من ربه أن يزيده علما.
وبمناسبة حرص الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] على أن يردد ما يوحي إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، يعرض السياق نسيان آدم لعهد الله. وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس، وعاقبة من يتذكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى.
وتختم السورة بتسلية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم. ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم. وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن. ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله أن يعذر إليهم بالرسول الأخير، فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم.
( قل : كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى )..
ثم صدر الأمر إلى الخصمين اللدودين أن يهبطا إلى أرض المعركة الطويلة بعد الجولة الأولى :
( قال : اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو )..
وبذلك أعلنت الخصومة في الثقلين. فلم يعد هناك عذر لآدم وبنيه من بعده أن يقول أحد منهم إنما أخذت على غرة ومن حيث لا أدري. فقد درى وعلم ؛ وأعلن هذا الأمر العلوي في الوجود كله :( بعضكم لبعض عدو ) !
ومع هذا الإعلان الذي دوت به السماوات والأرضون، وشهده الملائكة أجمعون. شاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى. قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم. فأعلن لهم يوم أعلن الخصومة الكبرى بين آدم وإبليس، أنه آتيهم بهدى منه، فمجاز كلا منهم بعد ذلك حسبما ضل أو اهتدى :
( فإما يأتينكم مني هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى. قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟ قال :: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى )..
يجيء هذا المشهد بعد القصة كأنه جزء منها، فقد أعلن عنه في ختامها في الملأ الأعلى. فذلك أمر إذن قضي فيه منذ بعيد ولا رجعة فيه ولا تعديل.
( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ).. فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله. وهما ينتظران خارج عتبات الجنة. ولكن الله يقى منهما من اتبع هداه. والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقا في المتاع. فهذا المتاع ذاته شقوة. شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة. وما من متاع حرام، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه. وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه. والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع الممرع ! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء. ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير