ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ١٢٨ ولَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وأَجَلٌ مُسَمًّى ١٢٩ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا ومِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى١٣٠ [ ١٢٨ ـ ١٣٠ ]
في الآية الأولى سؤال استنكاري عما إذا لم يتبين للكافرين ويعرفوا أن الله أهلك كثيرا قبلهم من القرون نتيجة لطوافهم في الأرض ومشاهدة آثارهم ومشيهم في مساكنهم حتى يظلوا على غيهم. وإن في ذلك لآيات ودلائل كافية لإقناع أولي العقول والأحلام.
وفي الآية الثانية بيان رباني بأنه لو لم تقتض حكمة الله تعالى عدم الإسراع في إهلاك الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لكفرهم كما فعل بأمثالهم السابقين وفي تأجيلهم إلى أجل معين في علم الله لكان إهلاكهم لازما جريا على السنة التي سار عليها مع الأمم السابقة حينما وقفوا من أنبيائهم موقف هؤلاء من نبيهم. وقد جاءت بالصيغة التي جاءت عليها للتساوق النظمي على ما هو المتبادر، حيث يلمح فيها تقديم وتأخير، بما معناه ( لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى حدده في علمه لكان عذابهم العاجل لزاما ) والله أعلم.
وفي الآية الثالثة أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يسمعه من الكفار ويراه من مواقف يضيق بها صدره وتغتم لها نفسه، وبالمثابرة على تسبيح الله تعالى وحمده مؤملة إياه برضا النفس وطمأنينتها بذلك.
والآيات متصلة بالسياق السابق اتصالا موضوعيا مع الالتفات فيه إلى الكفار العرب، فقد انتهت الآيات السابقة بإنذار الذين يسرفون في الإثم والجحود، ثم جاءت الآيتان الأوليان من هذه الآيات تلتفتان إلى الكفار العرب لتذكراهم وتحذّراهم وتنذراهم، أما اٍلآية الثالثة فهي كذلك متصلة بالموضوع مع الالتفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطمين والتثبيت والتسلية، مما جرى عليه التنزيل القرآني في كثير من مناسبات وحكاية مواقف وأقوال الكفار التي كانت تثير في النبي صلى الله عليه سلم الألم والحسرة.
وفي الآية الأولى دلالة على أن سامعي القرآن الأولين وهم أهل مكة كانوا يعرفون بلاد الأمم السابقة وما حل فيها من تدمير رباني. وبذلك يأتي الإنذار مستحكما ولقد تكرر هذا في آيات سابقة وآتية. ومن السابقة الآية [ ٤ ] من سورة الفرقان هذه ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها... وقد شرحنا هذا وافيا في سياق تعليقنا على القصص القرآنية في سورة القلم.
تعليق على مدى وتلقين الآية التي
تأمر بذكر الله وتسبيحه في مختلف الأوقات
والآية الأخيرة وإن كان الخطاب فيها قد وجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطمين والتثبيت بسبب ما يصدر من الكفار، فإن فيها تلقينا جليلا لجميع المسلمين الذين من واجبهم أن يجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وإماما حيث تقرر ما يمكن أن تبثه عبادة الله تعالى وذكره وتسبيحه والاتجاه إليه والتفكير في آلائه وآياته وبخاصة عند اشتداد أزمات النفس وآلامها من طمأنينة نفس وهدوء قلب وراحة ضمير وقوة على تحمل المشاق والمصاعب المادية والمعنوية والاستهانة بها. وهذه حالة روحية يدركها كل من استغرق هذا الاستغراق فشع نور الله في قلبه، ومعالجة نفسية قرآنية مضمونة النتيجة. وأي امرئ حزبته مشاكل الدنيا وآلامها فلجأ إلى الله وذكر عظمة ملكوته وسلطانه واستغرق في آياته وآلائه وقدرته وجبروته لن يلبث أن تهون عليه هذه المشاكل والآلام مهما جلّت، بل وأن تهون في نظره الدنيا وما فيها والإنسان وجبروته وسخافته وأن يشعر بطمأنينة النفس وقوة القلب والقدرة على التحمل والتجمّل بالصبر.
ولقد تكرر مثل الأمر في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من سورة لمثل الأهداف التي انطوت في هذه الآية. وفي سورة ق آيتان مماثلتان في صيغتهما لصيغتها.
ولقد ذهب بعض المفسرين ١ إلى أن الأوقات التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح فيها في الآية [ ١٣٠ ] هي أوقات الصلوات المفروضة وأن التسبيح يعني إقامة الصلوات، ومع أن الآية على ما يتبادر لنا هي بسبيل توكيد الاستمرار في ذكر الله وحمده وتسبيحه طيلة أوقات اليقظة ما ذهبوا إليه قد لا يخلوا من وجاهة. وقد علقنا على ذلك بما فيه الكفاية في سياق تفسير الآيتين [ ٣٨، ٣٩ ] من سورة ق المماثلتين في صيغتهما لهذه الآية.
ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [ ١٣٠ ] مدنية. وأسلوبها وانسجامها مع السياق وبروز الطابع المكي عليها في ضمير " يقولون " العائد على الأرجح إلى الكفار موضوع الكلام في الآيات السابقة يسوّغ الشك في الرواية ؛ ولاسيما أن الآية التالية لها هي تتمة للموضوع، والطابع المكي بارز عليها كذلك.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير