(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
(لَوْلَا) يقول النحويون: إنها حرف امتناع لوجود، والمعنى على هذا امتنع أن يكون العذاب ملازما للجريمة أي مقترنا بها في الوقوع كما كان بالنسبة للأمم السابقة أو لبعضها، فإنها إذ كفرت بأنعم الله تعالى، وكفرت بنبيها أنزل الله بها عقابه للزوم المسبب للسبب. امتنعت هذه الملازمة بين إثم الكفر وعقابه، لوجود كلمة سبقت من ربك، ولأجل مسمى حدده الله تعالى لحكمة، وهو الحكيم العليم، وتلك الكلمة
التي وعد الله بها هي أن النبي محمدا - ﷺ - خاتم النبيين وأن رسالته باقية، وليس هؤلاء وحدهم المخاطبين، بل من بعدهم أجيالهم وكان محمد - ﷺ - يرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله، وقد أجاب الله تعالى رجاء محمد رسوله الكريم فجعل من أصلابهم مجاهدين، فكان منهم خالد بن الوليد، ومن صلب أبي جهل عكرمة، وقد جاهد في سبيل الله وحارب المرتدين، هذه كلمة الله (وَأَجَلٌ مسَمًّى) معطوف على (كلِمَةٌ)، واللزام الملازمة بملازمة العقاب لإثم الكفر، واقترانه به اقتران المسبب بالسبب.
ولهذا التأجيل الذي رجاه النبي - ﷺ - أمره بالصبر فقال تعالى:
* * *
(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)
* * *
بعد هذا الإنذار للمشركين بما كان من هلاك الأمم، وأن الله تعالى أجله للمشركين مع استهزائهم بك وسخريتهم بالمؤمنين، وإيذائهم وقولهم عنك ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون، وإنه سبحانه وتعالى ممهلهم غير مهملهم:
صفحة رقم 4810زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة