و أنِ اقذفيه : مفسرة، أو مصدرية، و يأخذه : جواب " أن اقذفيه ". و لتُصنع : متعلق بألقيتُ، عطف على علة مضمرة، أي : ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي.
فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها : أنِ اقْذِفيه في التابوت أي : ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، فاقذفيه في اليمِّ أي : ألقيه في البحر بتابوته، فليُلقَه اليمُّ بالساحل أي : فسيرميه البحرُ بالساحل، ولمّا كان إلقاء البحر له بالساحل أمرًا واجب الوقوع ؛ لتعلُق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإنْ يُلْقه يأْخُذُه عدوٌ لي وعدوٌ له وهو فرعون. ولا تخافي عليه ؛ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القَصَص : ٧ ]. وتكرير عداوته والتصريح بها ؛ للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك ؛ من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافًا خفية، ومننًا كامنة مندرجة تحت قهر صوري.
وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لِمَا رُوي أنها جعلت في التابوت قطنًا محلوجًا، ووضعته فيه، ثم قيَّرته١ وألقته في اليم. وقيل : كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل : صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل "، ثم طلته بالقار - أي : الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسًا ثمَّ مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأُخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجهًا، فأحبه فرعون حبًا شديدًا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى : وألقيتُ عليك محبةً مني ، قال ابن عباس :" أحبه وحبَّبَه إلى خلقه ".
وقال قتادة :" ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلاَّ عشقه "، أي : وألقيتُ عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك.
ولتُصنع على عيني أي : ولتربّى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبًا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة.
فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إِلَيْك اكْتَسبْته سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ لا بِشَيء يُعَلَّلُ
وقال آخر :قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُ أنَّ وَصْلَكَ يُشْتَرَى بَنَفائِسِ الأَمْوَالِ والأرْباحِ وَظَنَنْتُ جَهْلاً أنَّ حُبَّكَ هَيِّنٌ تُفْنَىَ عَلَيْه كَرَائِمُ الأرْوَاحِ حَتَّى رَأَيْتُكَ تَجتبي وَتَخُصُّ مَنْ تَخْتارُهُ بلَطَائِفِ الإِمْنَاحِ فَعَلِمْتُ أنَّكَ لا تُنالُ بِحيلَةٍ فَلَوَيْتَ رَأسِي تحت طَيِّ جَنَاحِ وَجَعَلْتُ في عُشِّ الغَرَامِ إِقَامَتِي أبدًا وفيه تَوطُني ورَوَاحِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي