قوله : اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي١ لما قال : واصطنعتك لِنَفْسِي عقبه بذكر ما له اصطنعته، وهو الإبلاغ والأداء، و " الياء " في " بِآيَاتِي " بمعنى ( مع )٢، لأنهما لو ذهبا إليه بدون آيةٍ معهما لم يلزمه الإيمان، وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد٣.
قال ابن عباس : يعني الآيات التسع التي بعث الله بها موسى٤. وقيل٥ : إنها٦ العصا واليد، لأنهما٧ اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع، ولم يذكر أنه -عليه السلام-٨ أوتي قبل مجيئه إلى فرعون، لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى حكاية عن فرعون إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ٩، وقال : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ١٠.
فإن قيل : كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين ؟
فالجواب من وجوه :
أحدها١١ : أن العصا كانت آيات، انقلابُها١٢ حيواناً، ثم إنها كانت في أول الأمر١٣ صغيرة، لقوله١٤ تعالى : تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ١٥، ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم إنه كان عليه السلام يدخل في يده في فمها قلم تضره وهذه آية أخرى١٦، ثم كانت تنقلب١٧ عصا وهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشُعَاعَها آية أخرى، ثم زوالهما بعد ذلك آية أخرى، فدل ذلك على أنهما كانتا١٨ آيات كثيرة.
وثانيها١٩ : هَبْ أن العصا أمرٌ واحدٌ ولكن فيها آيات، لأن٢٠ انقلابها حيةً يدل على وجود إله٢١ قادر على الكل عالم بالكل حكيم، ويدل على نبوة موسى، ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً، فهذه آيات كثيرة، ولذلك قال٢٢ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مباركا ٢٣. . . إلى قوله. . . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ٢٤ فهاهنا أولى.
وثالثها٢٥ : قال بعضهم : أقل الجمع اثنان٢٦.
وقيل : معنى قوله :" بِآيَاتِي " أمُدكُّما بآياتي، وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه، والمعنى : فإن آياتي معكما كما يقال : اذهب فإن٢٧ جندي معك٢٨ أي : إنِّي أمدك بهم من احتجت٢٩.
وقيل : الآيات : العصا، واليد، وحل العقدة من لسانه، وذلك أيضاً معجزة٣٠.
قوله : وَلاَ تَنِيَا يقال :" وَنَى يَنِيَ وَنْيَاً كَوَعَد يَعِدُ وَعْداً، إذا فَتَرَ٣١.
والوَنْيُ٣٢ الفُتُور، ومنه : امرَأةٌ أَنَاةٌ٣٣، وصفوها بفتور القيام كناية عن ضخامتها. قال زهير٣٤ :
مَنَّا الأَنَاةُ وَبَعْضُ القَوْمِ يَحْسَبُنَا *** أَنَّا بِطَاءٌ وفي إبْطَائِنَا سِرْعُ٣٥
بكسر السين وفتح الراء مصدر ( سَرُع ) بفتح السين وضم الراء.
تقول : سَرُعَ سِرَعاً٣٦ كصَغُرَ صِغَراً.
والأصل : ونَاةٌ، فأبدلوا الهمزة٣٧ من الواو كأحَد وليس بالقياس٣٨، وفي الحديث :" إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ الحِلْمُ والأَنَاةُ " ٣٩.
والوَانِي : المقصِّر في أمره، قال الشاعر :
فَمَا اَنَا بالوَانِي وَلاَ الضَّرْع الغُمْرِ٤٠ ***. . .
ووَنَى٤١ فعلٌ لازم يتَعَدى٤٢ وزعم بعضهم٤٣ أنه يكون من أخوات ( زال وانفك ) فيعمل بشرط النفي٤٤ أو شبهه٤٥ عمل ( كان )، فيقال٤٦ :" مَا وَنِيَ زيدٌ قائماً، وأنشد ابن مالك٤٧ شاهداً على ذلك قوله :
لاَ يَنشي الحُبُّ٤٨ شِيمَةَ الحُبِّ مَا دَا *** مَ فَلاَ يَحْسَبَنَّهُ ذَا ارْعِوَاءِ٤٩
أي : لا يزال الحُبُّ٥٠ بضم الحاء شيمةَ الحِبِّ٥١ أي : بكسرها وهو المحب٥٢. ومن منع ذلك يتأول٥٣ البيت على حذف حرف الجر٥٤، لأنَّ٥٥ هذا الفعل٥٦ يتعدى تارة ب ( عَنْ ) وتارة ب ( في )٥٧ يقال : ما ونَيْتُ عن حاجتك، أو : في حاجتك فالتقدير : لا يفتر الحب في شيمة المحب، وفيه مجاز بليغ وقد عدي في الآية الكريمة ب ( في ).
قرأ يحيى بن وثَّاب " وَلاَ تِنِيَا " بكسر التاء٥٨ إتباعاً لحركة النون، وسكن الياء في " ذِكْرِي " ٥٩.
وقرأ أهل الحجاز٦٠ وأبو عمرو " لِنَفْسِيَ اذْهَبْ " ٦١ ذِكْرِي اذْهَبَا " ٦٢ و إِنَّ قَوْمِيَ اتخذوا ٦٣ و٦٤ مِن بَعْدِيَ اسمه ٦٥ بفتح الياء فيهن وافقهم٦٦ أبو بكر في مِن بَعْدِيَ اسمه .
وقرأ الآخرون بإسكانها٦٧.
والمراد بالذكر تبليغ الرسالة. وقيل : لا تفترا عن ذكر الله. ( والحكمة فيه٦٨ )٦٩ أنَّ مَنْ ذكر جلالَ الله استخف غيره، فلا يخاف أحداً، ويقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في٧٠ مقصوده، ومن ذكر الله فلا بد وأن يكون ذاكراً إحسانه ( وذاكرُ إحسانه )٧١ لا يفتر في أداء أوامره.
وقيل : لاَ تَنِيَا في ذِكْرِي عند فرعون، وكيفية الذكر أن يذكرا٧٢ لفرعون وقومه أنَّ الله تعالى لا يرضى منهم٧٣ الكفر، ويذكرا٧٤ لهم أمر الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب٧٥.
٢ وهي التي تكون بمعنى المصاحبة انظر المغني ١/١٠٣..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٦..
٤ انظر البغوي ٥/٤٣٢..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٦ – ٥٧..
٦ في ب: هما..
٧ في ب: لأنهما..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ [الأعراف: ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨]..
١٠ [القصص: ٣٢]..
١١ في ب: الأول..
١٢ في ب: لانقلابها. وهو تحريف..
١٣ في ب: في أول الأمر كانت..
١٤ في ب: بقوله. وهو تحريف. .
١٥ [النمل: ١٠] [القصص: ٣١]..
١٦ في ب: أخرى ثم إنها كانت تصير ثعبانا وهذه آية أخرى..
١٧ في ب: تقلب..
١٨ في ب: أنها كانت. وهو تحريف..
١٩ في ب: والثاني..
٢٠ لأن: سقط من ب..
٢١ في ب: إله موجود..
٢٢ في ب: أيضا..
٢٣ [آل عمران: ٩٦]..
٢٤ [آل عمران: ٩٧]..
٢٥ في ب: والثالث..
٢٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٦ ـ ٥٧ بتصرف..
٢٧ في الأصل: فإني. وهو تحريف..
٢٨ معك: سقط من ب..
٢٩ الفخر الرازي ٢٢/٥٧..
٣٠ [آل عمران: ٩٧]..
٣١ في ب: افتر وهو تحريف. وانظر اللسان (ونى)..
٣٢ الوني الضعف والفتور والكلال والإعياء. اللسان (ونى)..
٣٣ هي التي فيها فتور عند القيام، وقيل: عند القيام والقعود والمشي. اللسان (ونى)..
٣٤ زهير: سقط من ب..
٣٥ البيت من بحر البسيط، وليس في ديوان زهير ولم أجده فيما رجعت إليه من مصادر. أناة: الأصل: وناة، أبدلت الواو المفتوحة همزة، وامرأة وناة وأناة: حليمة بطيئة القيام. وهو موطن الشاهد. بطاء: البطء والإبطاء: نقيض الإسراع، تقول منه: بطؤ مجيئك، وبطؤ في مشيه يبطؤ، بطأ وبطأ، وأبطأ، وتباطأ وهو بطيء، ولا تقل: أبطيت والجمع بطاء.
السرعة: نقيض البطء. سرع يسرع سراعة وسِرْعا وسِرَعًا وسَرَعا وسُرعة، فهو سرع وسريع وسراع، والأنثى بالهاء. وقد تقدم..
٣٦ في ب: يقال سرعا سرع..
٣٧ الهمزة: سقط من ب..
٣٨ إذا وقعت الواو في أول الكلمة مفتوحة لم تبدل همزة إلا فيما سمع لأن الفتحة بمنزلة الألف، فكما لا تستثقل الألف والواو في (عاود) وأمثاله فكذلك لا تستثقل الواو المفتوحة. والذي سمع في ذلك (أجم) في (وجم) و (أناة) في (وناة) و(أحد) في (وحد) و(أسماء) في (وسماء) اسم امرأة على فعلاء وليس بجمع.
قال سيبويه: (وقالوا: وجم وأجم، وناة وأناة، وقالوا: أحد وأصله وحد، لأنه واحد، فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضا لما يدخلها من الحذف والبدل وليس ذلك مطردا في المفتوحة) الكتاب ٤/٣٣١.
انظر سر صناعة الإعراب ١/٩٢، الممتع ١/٣٣٥..
٣٩ أخرجه مسلم (الإيمان) ١/٤٨، ٤٩، أبو داود (أدب) ٥/٣٩٥ – ٣٩١ الترمذي (البر والصلة) ٣/٢٤٧، ابن ماجه ٢/١٤٠١، أحمد ٣/٢٣، ٤/٢٠٦..
٤٠ عجز بيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وصدره:
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا
وهو تفسير ابن عطية ١/٣٢، واللسان (ضرع)، البحر المحيط ٦/٢٤٤، الضَّرع: هو الغمر الضعيف من الرجال، رجل ضارع بين الضروع والضّراعة: ناحل ضعيف. الغمر: الذي لم يجرب الأمور، ولا خبرة له بحرب ولا أمر، ولم تحكنه التجارب. والشاهد في البيت هو أنّ الواني بمعنى الضعيف المتباطئ في الأمر بسبب ضعفه وعجزه..
٤١ في ب: ونى..
٤٢ البحر المحيط ٦/٢٤٣، وقال أبو حيان: (وإذا عدِّي فبـ (عن) وبـ(في))..
٤٣ وهو ابن مالك، فإنه قال: وقيدت: ونى ورام الملحقتان بهن (يريد يزال وأخوتها) بمرادفتهما لهن، احترازا من ونى بمعنى فتر، ومن رام بمعنى حاول وبمعنى تحول، ومضارع التي بمعنى حاول يروم، ومضارع التي بمعنى تحول يريم، وهكذا مضارع المرادفة زال، وهي وونى بمعنى زال غريبتان، ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عنى باستقرار الغريب، ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر:
لا يني الخبُّ شيمة الخبِّ ما *** دا م فلا يحسبنَّه ذا ارعواء
شرح التسهيل ١/٣٣٤..
٤٤ في ب: بنفي الشرط. وهو تحريف..
٤٥ في ب: و. وهو تحريف..
٤٦ في ب: فيقول..
٤٧ انظر شرح التسهيل ١/٣٣٤..
٤٨ في ب: الخير. وهو تحريف..
٤٩ البيت من بحر الخفيف لم أهتد لقائله. شرح التسهيل ١/٣٣٤، البحر المحيط ٦/٢٥٣، الهمع ١/١١٢، الدرر ١/٨٢.
الحب بضم الحاء: الوداد والمحبة. الحبُّ: بكسر الحاء: الحبيب.
وروي: (لا يني الخبُّ شيمه الخبُّ) فالخبُّ بالكسر: الخداع والغش، والخبُّ: بالفتح الذي يخدع.
الشاهد فيه أن ابن مالك استشهد به على أنّ (ونى) من أخوات (زال وانفك) فيعمل بشرط النفي أو شبهه والتقدير: لا زال الحبُّ..
٥٠ في ب: والحرب. وهو تحريف..
٥١ في ب: و. وهو تحريف..
٥٢ في ب: المحبة. وهو تحريف..
٥٣ في ب: تأول..
٥٤ قال السيوطي: (وقال أبو حيان: ذكر أصحابنا أن "ونى" زادها بعض البغداديين في أفعال هذا الباب لأن معناها معنى (مازال) نحو ما ونى زيد قائما ورد بأنه لا يلزم من كونها بمعناها مساواتها لها في العمل، ألا ترى أن (ظل زيد قائما) معناه: أقام زيد قائما النهار، ولم يجعل العرب لـ (أقام) اسما ولا خبرا كما فعلت ذلك بـ (ظل)، قالوا والتزام التنكير في المنصوب بها دليل على أنه حال.... فالمنصوب في (البيت) على إسقاط الخافض، أي: لا يني عن شيمة الحب) الهمع ١/١١٢..
٥٥ في ب: فإن..
٥٦ في ب: البيت. وهو تحريف..
٥٧ في ب: تارة بفي وتارة بعن..
٥٨ في ب: بكسر النون وكسر التاء..
٥٩ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٥..
٦٠ نافع وابن كثير..
٦١ نهاية الآية (٤١) وبداية الآية (٤٢)..
٦٢ نهاية الآية (٤٢) وبداية الآية (٤٣) من سورة طه..
٦٣ من قوله تعالى: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا [الفرقان: ٣٠]..
٦٤ و: سقط من ب..
٦٥ [الصف: ٦]..
٦٦ في ب: وأهمز. وهو تحريف..
٦٧ السبعة (٤٢٦، ٤٦٨، ٦٣٥)، الكشف ٢/١٠٩، النشر ٢/٣٢٣ الإتحاف (٣٠٣) وذلك أنه يجوز إسكان ياء الإضافة وفتحها مع المضاف الواجب كسر آخره، وهو ما سوى المنقوص والمقصور، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وذلك أربعة أشياء المفرد الصحيح نحو غلامي وفرسي، والمعل الجاري مجراه نحو طبيي ودلوي، وجمع التكسير نحو رجالي وهنودي، وجمع المؤنث السالم نحو مسلماتي.
واختلف في الأصل منهما فقيل الإسكان، وقيل: الفتح، وجمع بينهما بأن الإسكان أصل أول إذ هو الأصل في كل مبني، والفتح أصل ثان، إذ هو الأصل فيما هو على حرف واحد. انظر شرح الأشموني ٢/٢٨١ – ٢٨٢، والكشف ١/٣٢٤..
٦٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٧. بتصرف..
٦٩ ما بين القوسين في ب: والمعنى..
٧٠ في ب: عن..
٧١ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٢ في ب: يذكر. وهو تحريف..
٧٣ في ب: منهما وهو تحريف..
٧٤ في ب: ويذكر. وهو تحريف..
٧٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٧. بتصرف..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود