قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ أي : قال موسى مجيباً له، و ربنا مبتدأ، وخبره الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ، ويجوز أن يكون ربنا خبر مبتدأ محذوف، وما بعده صفته.
قرأ الجمهور : خلقه بسكون اللام، وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ :«خلقه » بفتح اللام على أنه فعل، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها نصير عن الكسائي. فعلى القراءة الأولى يكون خلقه ثاني مفعولي " أعطى ". والمعنى : أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش، والرجل للمشي واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، كذا قال الضحاك وغيره. وقال الحسن وقتادة : أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد : المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديراً، ومنه قول الشاعر :
| وله في كل شيء خِلْقُهُ | وكذاك الله ما شاء فعل |
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إننا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا قال : يعجل أَوْ أَن يطغى قال : يعتدي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : أَسْمَعُ وأرى قال : أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به، فأوحي إليكما فتجاوبانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لما بعث الله موسى إلى فرعون قال : ربّ أي شيء أقول ؟ قال : قل أهيا شراهيا. قال الأعشى : تفسير ذلك الحيّ قبل كل شيء، والحيّ بعد كل شيء. وجوّد السيوطي إسناده، وسبقه إلى تجويد إسناده ابن كثير في تفسيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : على مَن كَذَّبَ وتولى قال : كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ قال : خلق لكل شيء زوجه ثُمَّ هدى قال : هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لاَ يَضِلُّ رَبّي قال : لا يخطئ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : من نبات شتى قال : مختلف. وفي قوله : لأُوْلِي النهى قال : لأولي التقى. وأخرج ابن المنذر عنه لأُوْلِي النهى قال : لأولي الحجا والعقل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال : إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله : مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ . وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة قال : لما وضعت أمّ كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله ) وفي حديث في السنن :( أنه أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال : مِنْهَا خلقناكم ثم أخرى وقال : وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ثم أخرى وقال : وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى ). وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة قال : يوم عاشوراء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو نحوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني