ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها الرسل جميعا : اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ( ٨ ) .
هذه الكلمة ( لا إله إلا هو ) هي قمة العقيدة، وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم :( خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله )١.
وما دام لا إله إلا الله، فهو سبحانه المؤتمن عليك، فليس هناك إله آخر يعقب عليه، فاعمل لوجهه يكفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى شتى ومختلفة، ويغنيك عن كل غنى.
وحينما دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم مع أبي بكر – رضي الله عنه – لم يفهم من كلامهما شيئا، فقال : يا رسول الله أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر، أنا لا أعرف إلا : لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم :( حولها ندندن يا أخا العرب )٢.
فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام.
وكلمة ( الله ) علم على واجب الوجود بكل صفات الكمال له، فهو الله الموجود، الله القادر، الله العالم، الله الحي، الله المحيي، الله الضار. فكل هذه صفات له سبحانه، لكن هذه الصفات لما بلغت حد الكمال فيه تعالى أصبحت كالاسم العلم، بحيث إذا أطلق الخالق لا ينصرف إلا له، والرازق لا ينصرف إلا له.
وقد يشترك الخلق مع الخالق في بعض الصفات، كما في قوله تعالى : وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم.. ( ٨ ) ( النساء ).
فالإنسان أيضا يرزق، لكن رزقه من باطن رزق الله، فهو سبحانه الرازق الأعلى، ومن بحره يغترف الجميع.
وكما في قوله تعالى : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) ( المؤمنون )، وقال تعالى : وتخلقون إفكا.. ( ١٧ ) ( العنكبوت ).
ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه، ومعنى الخلق :
الإيجاد من عدم، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوبا فهو خالق للكوب، فأنت أوجدت شيئا من عدم، والله تعالى أوجد شيئا من عدم، ولكنك أوجدت من موجود الله قبل أن توجد أنت، فهو – إذن – أحسن الخالقين في حين لم يضن عليك ربك بأن ينصفك ويسميك خالقا، وهذا يوجب عليك أن تنصفه سبحانه وتقول أحسن الخالقين ( ١٤ ) ( المؤمنون ).
وأيضا، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم فسماك خالقا له، ولم يضن عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه أحسن الخالقين، لأنك توجد معدوما يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة، لكن الخالق – سبحانه وتعالى – يوجد معدوما ويمنحه الحياة، ويجعله يلتقي بمثله وينجب، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوبا أن يجعل منه ذكرا وأنثى ينتجان لنا الأكواب ؟ ! وهل يكبر الكوب الصغير، أو يتألم إن كسر مثلا ؟ !.
إذن : فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين، وكذلك هو خير الرازقين، وخير الوارثين، وخير الماكرين.
وقوله تعالى : له الأسماء الحسنى ( ٨ ) ( طه ) : الحسنى : صيغة تفضيل للمؤنث مثل : كبرى، تقابل ( أحسن ) للمذكر. إذن : فهناك أسماء حسنة هي أسماء الخلق، أما أسماء الله فحسنى ؛ لأنها بلغت القمة في الكمال، ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه، فحين تقول في أسماء الله تعالى ( الرازق ) فهي الصفة الحسنى لا الحسنة.
لذلك لما أراد رجل يدعى ( سعد ) أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم لها رجلان : حسن وأحسن. فقال له أبوه ( فحسنى يا سعد للأحسن ).
وقال تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. ( ٢٦ ) ( يونس ) : فلم يقل : حسنة، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحسنى بل وزيادة.
وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات، إلا أنها أطلقت على الحق – تبارك وتعالى – أصبحت أسماء، ولك أن تسمي فتاة زنجية ( قمر ) وتسمي قزما ( الطويل ) لأن الاسم إذا أطلق علما على الغير انحل عن معناه الأصلي ولزم العلمية فقط، لكن أسماء الله بقيت على معناها الأصلي حتى بعد أن أصبحت علما على الله تعالى، فهي – إذن – أسماء حسنى.
وبعد أن تكلم الحق – تبارك وتعالى – عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم – فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج – أراد سبحانه أن يسليه تسلية تبين مركزه في موكب الرسالات، وأن يعطيه نموذجا لمن سبقوه من الرسل، وكيف أن كل رسول تعب على قدر رسالته، فإن كانت الرسالات السابقة محدودة الزمان محدودة المكان، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها، فما بالك برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان ؟ لا بد أنه سيواجه من المتاعب مثل هؤلاء جميعا.
إذن : فوطن نفسك يا محمد على أنك ستلقى من المتاعب والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء، وامتداد رسالتك في الزمان إلى أن تقوم الساعة، وفي المكان إلى ما اتسعت الأرض.
لذلك اختار الحق – تبارك وتعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم نبيا من أولي العزم ؛ لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون، وقد كان بنو إسرائيل قوما ماديين، أما فرعون فقد ادعى الألوهية، اختار موسى – عليه السلام – ليقص على رسول الله قصته ويسليه فيما يواجهه من متاعب الدعوة، كما قال تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ( ١٢٠ ) ( هود ).
وقال تعالى : قل ما كنت بدعا٣من الرسل.. ( ٩ ) ( الأحقاف ).
فأنت يا محمد كغيرك من الرسل، وقد وجدوا من المشقة على قدر رسالاتهم، وسوف تجد أنت أيضا من المشقة على قدر رسالتك. ونضرب لذلك مثلا بالتلميذ الذي يكتفي بالإعدادية وآخر بالثانوية أو الجامعة، وآخر يسعى للدكتوراة، فلا شك أن كلا منهم يبذل من الجهد على قدر مهمته. لذلك يقول تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ٤مُوسَى ( ٩ ) .

١ أخرجه الترمذي في سننه (٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خير الدعاء يوم عرفة...............) الحديث بتمامه. قال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه)..
٢ أخرج أحمد في مسنده (٣ / ٤٧٤) وابن ماجه في سننه (٣٨٤٧) وأبو داود في سننه (٧٩٢) عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد. ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (حولها ندندن)..
٣ أي: ما كنت غريبا ولا عجيبا ولا كنت على غير مثال سابق، فأنا مثل الرسل السابقين. (القاموس القويم ١ / ٥٧)..
٤ قال القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٣٤٣): (قال أهل المعاني: هو استفهام وإثبات وإيجاب معناه: أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه قد أتاك. قاله ابن عباس)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير