ثم يقول الحق سبحانه : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ١فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ( ٨٨ ) .
أي : أخرج لهم من هذا الذهب المنصهر عجلا جسدا.. ( ٨٨ ) ( طه ) : كلمة جسد وردت أيضا في القرآن في قصة سليمان عليه السلام، حيث قال تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ( ٣٤ ) ( ص ).
وقد أعطى الله سليمان ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعده، فسخر له الطير والجن والإنس، والريح يأتمرون بأمره، ويبدوا أنه أخذه شيء من الزهو أو الغرور، فأراد الحق سبحانه أن يلفته إلى مانح هذا الملك ويذكره بأن هذا الملك لا يقوم بذاته، إنما بأمر الله القادر على أن يقعدك على كرسيك جسدا، لا حركة فيه ولا قدرة له حتى على جوارحه وذاته.
كما ترى الرجل – والعياذ بالله – قد أصابه شلل كلي أقعده جسدا، لا حركة فيه، ولا إرادة على جوارحه. فإذا لم تكن له إرادة على جارحة واحدة من جوارحه، أفتكون له إرادة على الخارج عنه من طير أو إنس أو جن ؟
فلا تغتر بأن جعل الله لك إمرة على كل الأجناس ؛ لأنه قادر أن يسلبك هذا كله.
ويروى٢ أن سليمان – عليه السلام – ركب بساط الريح يحمله إلى حيث يريد، كما قال تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر.. ( ١٢ ) ( سبأ ) : فداخله شيء من الفخر والزهو، فسمع من تحته من يقول : يا سليمان – هكذا دون ألقاب – أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله، ثم رده حيث كان.
لذلك استغفر سليمان – عليه السلام – وأناب.
وكذلك نرى الإنسان ساعة أن يموت أول ما ينسى منه اسمه، فيقولون : الجثة : الجثة هنا : ماذا فعلتم بالجثة، ثم تنسى هذه أيضا بمجرد أن يوضع في نعشه فيقولون الخشبة : أين الخشبة الآن، انتظروا الخشبة.. سبحان الله بمجرد أن يأخذ الخالق – عز وجل – سره من العبد صار جثة، وصار خشبة، فما هذه الدنيا التي تكون نهايتها هكذا ؟
ففي قوله تعالى : عجلا جسدا له خوار.. ( ٨٨ ) ( طه ) : أي : لا حركة فيه، فهو مجرد تمثال. صنع على هيئة معينة، بحيث يستقبل الريح، فيحدث فيه صفيرا يشبه الخوار : أي صوت البقر.
لكن، لماذا فكر السامري هذا التفكير، واختار مسألة العجل هذه ؟
قالوا : لأن السامري استغل تشوق بني إسرائيل. وميلهم إلى الصنمية والوثنية، وأنها متأصلة فيهم. ألم يقولوا لنبيهم عليه السلام وما زالت أقدامهم مبتلة من البحر بعد أن أنجاهم الله من فرعون، وكان جديرا بهم شكر الله، فإذا بهم يقولون وقد أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.. ( ١٣٨ ) ( الأعراف ).
فجاءهم بهذا العجل، وقد ترقى به من الصنمية، فجعله جسدا، وجعل له خوارا وصوتا مسموعا.
ثم يقول تعالى : فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ( ٨٨ ) ( طه ) : أي : نسي السامري خميرة الإيمان في نفسه، ونسى أن هذا العمل خروج عن الإيمان إلى الكفر، وليته يكفر في ذاته، إنما هو يكفر ويكفر الناس. لا بد له أنه نسى، فلو كان على ذكر من الإيمان ومن عاقبة عمله وخيبة ما أقدم عليه ما فعل٣.
٢ أخرج الخطيب البغدادي فغي رواية مالك عن سعيد بن المسيب – رضي اله عنه – قال: كان سليمان عليه السلام يركب الريح من اصطخر، فيتغذى بيت المقدس، ثم يعود فيتعشى باصطخر. أورده السيوطي في الدر المنثور (٦ / ٦٧٧)..
٣ وقد قيل في هذه الآية تأويل آخر ذكره القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٤٠٩) وابن كثير في تفسيره (٣ / ١٦٢) ومؤدى هذا أنه من كلام السامري عن موسى أنه ضل وذهب يطلب إلهه وهو هنا. وعن ابن عباس قال: (أي فنسى موسى أن يذكر لكم أنه إلهه)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي