قوله :" بَصُرْتُ " يقال : بَصُر الشيء، أي : علمه، وأبصره أي : نظر إليه كذا قال الزجاج١.
وقال غيره : بصر بالشيء وأبصره بمعنى : علمه٢. والعامة علم ضم الصاد في الماضي ومضارعه وقرأ الأعمش وأبو السمال " بَصِرتُ " بالكسر " يَبْصَرُوا " بالفتح٣ وهي لغة٤.
وعمرو٥ بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين٦، أي أُعْلِمْتُ بما لم يعلموا به، وقرأ الأخوان " تَبْصَرُوا " خطاباً لموسى وقومه أو تعظيماً له كقوله : إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ٧.
حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ٨ ***. . .
والباقون بالغيبة من قومه٩ والعامة على فتح القاف من " قَبْضَة " وهي المرة من القبض١٠.
قال الزمخشري : وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر١١.
قال شهاب الدين : والنحاة يقولون : إن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء تقول : هذه حلةٌ نسجُ اليمن، ولا تقول١٢ : نسجة اليمن، ويعترضون بهذه الآية١٣، ثم يجيبون بأن الممنوع إنما هو التاء الدالّة على التحديد لا على مجرد١٤ التأنيث، وكذلك قوله١٥ : والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ ١٦ ١٧.
وقرأ الحسن " قُبْضَةٌ " بضم القاف وهي كالغُرْفَة والمُضْغَة في معنى المغروف والمقبوض١٨. وروي عنه " قُبْصَة " بالصاد المهملة١٩. والقَبْض بالمعجمة بجمع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، وله نظائر كالخضم وهو الكل بجميع الفم٢٠ والقضم٢١ بمقدمه٢٢، والقضم٢٣ قطع بانفصال والفصم بالفاء باتصال٢٤، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة٢٥. وأدغم ابن محيصن الضاد المعجمة في تاء المتكلم مع إبقائه الإطباق٢٦. وأدغم الأخوان٢٧ وأبو عمرو الذال في التاء من " فَنَبَذْتُهَا٢٨ ".
فصل
لما أجاب هارون أخاه موسى بالجواب المتقدم أقبل موسى على السامريّ وقال له :" مَا خَطْبُكَ " أي : ما حملَكَ على ما فعلتَ ؟ فقال : بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ أي : رأيت ما لم يروا بنو إسرائيل٢٩ وعرفت ما لم يعرفوا.
قال ابن عباس : علمتُ ما لم يعلموا، ومنه قولهم : رجل بصيرٌ، أي : عالم قاله أبو عبيدة٣٠ وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضةٌ من تراب، فقال : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول ٣١.
وقرأ ابن مسعود :" مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ " والمراد بالرسول جبريل - عليه السلام - ( عند عامَّة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي )٣٢ أخذه٣٣ من موضع حافر دابته لما٣٤ رآه يوم فلق البحر. وعن عليٍّ - رضي الله عنه- أنَّ جبريل - عليه السلام - لمَّا نزل ليذهب موسى إلى الطور أبصره السَّامريّ من بين الناس٣٥.
واختلفُوا٣٦ في أنه كيف اختص٣٧ السامريُّ برؤية جبريل ومعرفته بين الناس ؟
فقال ابن عبَّاس في رواية الكلبي : إنَّما عرفه، لأنه رآه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولجتْ طرحتْ ولدَها حيث لا يشعر به آل فرعون، فيأخذ الملائكة الولدان ويربونَهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامريُّ ممن أخذه جبريل - عليه السلام-، وجعل كفَّ نفسه في فيه وارتضع منه اللبن والعسل٣٨ ليربيه- فلما٣٩ قضي على يديه من الفتنة فلم يزل يختلف إليه٤٠ حتى عرفه.
قال ابن جريج : فعل هذا قوله : بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ يعني رأيت ما لم يروه. ومَنْ فسّر الإبصار بالعلم فهو صحيح، ويكون المعنى علمتُ أن تراب فرس جبريل - عليه السلام- له خاصة الإحياء، وذلك أنه كان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه في مشيه على الطريق اليبس يخرج تحته النبات في الحال.
وقال أبُو مسلم : ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون فهنا٤١ وجه آخر، وهو أن يكون المرادُ بالرسول موسى - عليه السلام٤٢-، وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل : إنَّ فلاناً يقفُوا أثرَ فلان يقتص٤٣ أثرَه إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أنَّ موسى - عليه السلام٤٤- لمَّا أقبل على السامريِّ باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العَجْل فقال : بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ أي عرفت أن٤٥ الذي أنتم عليه ( ليس بحق )٤٦، وقد كنت قبضتُ قبضةٌ من أثرك أيُّها الرسولُ أي : شيئاً من دينك، فنبذته أي : طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى - عليه السلام٤٧- بما له من العذاب في الدُّنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار٤٨ عن غائب كما يقول الرجل٤٩ لرئيسه وهو مواجه له : ما يقولُ الأميرُ في كذا، أو٥٠ بماذا يأمرُ الأمير. وأما ادِّعاؤُه أنَّ موسى٥١- عليه السلام٥٢- رسول٥٣ مع جحده وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله : يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ٥٤ وإن لم يؤمنوا بالإنزال٥٥.
قال ابن الخطيب : وهذا٥٦ الذي ذكره أبو مسلم ( ليس فيه إلاَّ أنَّه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه :
أحدها : أن جبريل - عليه السلام٥٧ - ليس معهوداً باسم٥٨ الرسول، ولم يجز له فيما تقدم ذكر حتى تجعل٥٩ لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب.
وثانيها٦٠ : أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول والإضمار خلاف الأصل.
وثالثها٦١ : أنه لا بد من التعسف في بيان أنَّ السامريّ كيف اختصَّ من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، ثم كيف عرف أن تراب حافر دابته يؤثر هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل - عليه السلام- هو الذي ربَّاه فبعيد، لأن السامريِّ إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله٦٢ عرف قطعاً أنَّ موسى - عليه السلام- نبيٌّ صادقٌ، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأنَّى ينفعه كون جبريل - عليه السلام - ( مربيّاً له )٦٣ حال الطفولية في حصول تلك المعرفة.
ورابعها٦٤ : أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على ترابٍ هذا شأنه لكان لقائل٦٥ أن يقول : فلعل٦٦ اطلع أيضاً على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله٦٧ أتى بالمعجزات، فرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول : لِمَ لا يجوز أن يقال : إنَّهم أتوا بهذه المعجزات لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن يفيد حصول تلك المعجزة، وحينئذ يسند باب المعجزات بالكلية٦٨.
ثم قال : وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي زينت، والمعنى : فعلتُ ما دعتني إليه نفسي، وسولت مأخوذة من السؤال٦٩.
٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٣ المختصر (٨٩)، البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٤ قال ابن منظور: (والفعل بصر يبصر، ويقال: بصرت) اللسان (بصر)..
٥ في ب: لعمرو..
٦ انظر المختصر (٨٩)..
٧ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢]..
٨ جزء بيت من بحر الطويل للعرجي وتمامه:
فإن شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وهو في اللسان (برد، نقخ). النقاخ: الماء العذب. البرد: النوم لأنه يبرد العين بأن يقرها. وهو هنا: الريق. والشاهد فيه خطاب المفرد بخطاب الجمع تعظيما. وقد تقدم..
٩ السبعة (٤٢٤)، الحجة لابن خالويه (٢٤٧)، الكشف ٢/١٠٥، النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٧)، الإتحاف (٣٠٧)..
١٠ وذلك لأن اسم المرة من الثلاثي يكون على وزن (فعلة). التبيان في تصريف الأسماء (٥٤)..
١١ الكشاف ٢/٤٤٥..
١٢ في ب: ولا يقال..
١٣ في ب: بهذه الأمور والآية..
١٤ مجرد: سقط من ب..
١٥ في ب: وكذلك التاء في قوله..
١٦ [الزمر: ٦٧]..
١٧ الدر المصون ٥/٣٦..
١٨ انظر الكشاف ٢/٤٤٥..
١٩ المختصر (٨٩)، المحتسب ٢/٤٥٥ البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٢٠ الفم: سقط من ب..
٢١ في ب: والعصم..
٢٢ القضم: الأكل بأطراف الأسنان. اللسان (قضم)..
٢٣ في ب: القطم..
٢٤ القصم بالقاف هو أن ينكسر الشيء فيبين يقال منه: قصمت الشيء إذا كسرته حتى يبين. والفصم بالفاء هو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين. اللسان (قصم)..
٢٥ عند قوله تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم [البقرة: ٢٥٦] وذكر هناك: والانفصام بالفاء القطع من غير بينونة، والقصم بالقاف – قطع ببينونة، وقد يستعمل ما بالفاء مكان ما بالقاف، والمقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام فبأن لا يكون لها انقطاع أولى. انظر اللباب ٢/١٠٠..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٣، الإتحاف ٣٠٧..
٢٧ حمزة والكسائي..
٢٨ وأظهر الباقون. وحجة من أدغم أن قوة التاء والذال معتدلة، لأن التاء شديدة، والذال مجهورة، والشدة في القوة كالجهر ولأن التاء مهموسة، والذال رخوة، والهمس في الضعف كالرخاوة، فاعتدلا في القوة والضعف، فحسن الإدغام لذلك، على أنهما قد اشتركا في المخرج من الفم، واشتركا في إدغام لام التعريف فيهما، واتصالهما في كلمة. والإظهار أحسن، لأنه الأصل ولأن التاء في تقدير الانفصال لأن الفعل (نبذ) فالتاء داخلة فيه بعد أم لم تكن. انظر الكشف ١/١٥٩ -١٦٠..
٢٩ قوله: ما لم يروا بنو إسرائيل. هذا التعبير ماش على لغة أكلوني البراغيث، وهي إلحاق الفعل علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه..
٣٠ مجاز القرآن ٢/٢٦..
٣١ المختصر: ٨٩، البحر المحيط ٦/٢٧٤..
٣٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٣ في ب: فأخذ. وهو تحريف..
٣٤ في ب: ما. وهو تحريف..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٠..
٣٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١٠ – ١١١..
٣٧ في ب: في كيفية اختصاص..
٣٨ في ب: العسل واللبن..
٣٩ في الأصل: لمّا..
٤٠ في الأصل: عليه..
٤١ في ب: وهنا..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ في الأصل: ويقتص..
٤٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٥ أن: سقط من الأصل..
٤٦ ما بين القوسين سقط من ب، وفيه: أمر..
٤٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٨ في ب: بلفظ الأمر أو الإخبار..
٤٩ الرجل: سقط من الأصل..
٥٠ في الأصل: أي. وهو تحريف..
٥١ أن موسى: مكرر في الأصل..
٥٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٣ رسول: سقط من ب، وفي الأصل: رسولا. والصواب (رسول) لأنه خبر (أنّ)..
٥٤ [الحجر: ٦]..
٥٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٠، ١١١..
٥٦ في ب: وهذا القول..
٥٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٨ في ب: يذكر..
٥٩ في ب: جعل. هو تحريف..
٦٠ في ب: وفيه أمور الأول..
٦١ في ب: الثاني..
٦٢ في الأصل: كماله..
٦٣ ما بين القوسين: سقط من ب..
٦٤ في ب: الثالث..
٦٥ في ب: القائل..
٦٦ فلعل: سقط من ب..
٦٧ في ب: ولأجله..
٦٨ الفخر الرازي ٢٢/١١١..
٦٩ أصل السّول مهموز عند العرب، استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فتكلموا به بتخفيف الهمز. اللسان (سول)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود