قال السامري في جوابه : بَصُرْتُ بما لم يَبْصُرُوا به أي : علمت ما لم يعلمه القوم، وفطِنت لما لم يفطنوا به، أو رأيتُ ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبًا فرسًا، وكان كلما رفع الفرسُ يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنًا، فأخذ من موطئه شيئًا من التراب. وذلك قوله تعالى : فقبضتُ قبضةً من أَثَرِ الرسولِ أي : أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور.
وقال في اللباب : كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريلَ راكبًا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة : كان السامري عظيمًا في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها : سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحرَ مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر، قَالُواْ يا مُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعرَاف : ١٣٨ ]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه.
وقال الكواشي : وإنما عرف السامريُّ جبريلَ من بين سائر الناس ؛ لأن أمه ولدته في السنة التي يُقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف ؛ حذرًا عليه، فبعث الله تعالى جبريل ؛ ليربيه لِمَا قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعّفه ابن عطية. قلت : ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحةَ ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً.
ثم قال : فأخذت تلك القبضة فنبذتُها في فم تلك الصورة المذابة من الحُليّ، فصارت تخور، وكذلك سَوَّلَتْ لي نفسي ؛ أي : زينت. والإشارة : نعت لمصدر محذوف، أي : سَوَّلَتْ لي نفسي تسويلاً كائنًا مثل ذلك التسويل البديع.
والسنبتاء : كل حيوان جريء، وقيل : اسم للنمر. وخَفْ أبناءَ جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسُّنْبَتا وخالِطْهم وزايلهم حِذارًا وكن كالسامري إذا لُمِسْتَ
ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى ؛ مِنْ علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق :( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنُحرقنه ثم لننسفنّه في اليم نسفًا ). وفي بعض الأثر : يقول الله :" يا عبدي، لا تركْن لشيء دوني، فإنْ ركنتَ إلى علم جهّلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنتَ إلى حال وقفناك معه، وإن ركنتَ إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدًا أكن لك ربًّا ". أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله : إنما إلهكم الله... الآية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي