ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

تمهيد :
تناقش هذه الآيات المشركين، فتبين : أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بشر رسول، وليس بدعا من الرسل، فقد كان الرسل السابقون رجالا، ينزل عليهم الوحي، وبينهم أهل الكتاب فليسألوا اليهود والنصارى عن رسل الله السابقين، ومحمد بشر يأكل الطعام، ويدركه الموت كسائر البشر وكسائر الرسل، وهؤلاء الرسل وعدهم الله بالنصر والنجاة وبإهلاك المكذبين، وقد صدقهم الله وعده، والقرآن فيه شرف وحياة ورقي لهذه الأمة، ولو استخدموا عقولهم ؛ لكان في هذا الكتاب ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم.
١٠ - لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
ذكركم : شرفكم، أو دينكم وعظتكم.
تعقلون : تتدبرون ما في تضاعيفه من العبر والمواعظ.
لقد أنزلنا إليكم أيها العرب، قرآنا فيه شرفكم ومجدكم وعزتكم، ودينكم وتقويم أخلاقكم، بما اشتمل عليه من الإيمان والتشريع والآداب، والقصص وأسباب السعادة والتربية المثلى، فمن اتبعه ؛ نال السعادة في الدنيا والآخرة.
أفلا تعقلون.
ذلك فتقبلون على القرآن إقبال المصدق به، المتبع لما جاء فيه.
لقد نزل القرآن عربيا مبينا، وكان شرفا لهذه الأمة، وبقدر اتباعها للقرآن، بقدر ما جاء إليها من نصر وعز، وبهذا القرآن تقدم العرب المسلمون، فافتتحوا بلاد الفرس والروم ومصر، وتقدموا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وحين ضعفت صلة المسلمين بهذا الكتاب، وضعف الاقتداء به ؛ عمّهم ظلام التخلف والتأخر، ولا يزال الوحي نضيرا، والسنة المطهرة قدوة حسنة، وكلما عاد المسلمون إلى أصول دينهم ؛ كلما عاد إليهم مجدهم، وصاروا خير أمة أخرجت للناس، والبشرية في حاجة إلى هدى هذا القرآن، ولم يكن للعرب كبير شأن في الجاهلية، وإنما عرف فضلهم بهذا القرآن الذي عم نوره المشارق والمغارب، فالعرب بالإسلام كل شيء، وبدون الإسلام لا شيء، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ. ( الزخرف : ٤٤ ).
إن القرآن شرف للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللعرب ؛ بما حوى من تشريع وآداب وأخلاق وقيم، وهذه نعم سوف نسأل عنها : هل تمسكنا بها وحملناها إلى غيرنا في صورة كريمة تدعو إلى الاقتداء بها أم لا ؟
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا... ( البقرة : ١٤٣ ).
فالأمة الإسلامية أمة وسط، وهذه الوسطية تميز هذه الرسالة، فهي رسالة وسط بين المادية والروحية، وهي في منطقة وسط بين ما حولها من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهي دعوة وسط بمعنى : مثالية الرسالة وصلاحيتها للدنيا والآخرة، وهي لذلك تجعل للمسلمين القوامة على البشرية، يتمسكون بالقيم، ويدعون الناس إليها، وحضارة القرن العشرين حضارة مادية، تقدمت في اختراع القنبلة الذرية، ثم ألقيت قنبلة في هيروشيما، وقنبلة في نجازاكي سنة ١٩٤٥ فكان مع ذلك الوباء والبلاء، وآلاف القتلى وأصحاب العاهات، وامتد الأثر إلى الأرض والزراعة والإنسان والحيوان، وديننا هو دين الرحمة بالإنسانية وصدق الله العظيم. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. ( الأنبياء : ١٠٧ ).

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير