(لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)
أكد سبحانه نزول الكتاب من عنده إليهم بـ " اللام " التي تفيد التوكيد، و " قد " التي تفيد التحقيق، وكان التأكيد لأصل ما يعود به عليهم ذلك الكتاب العظيم؛ ولذلك قال تعالى في هذا الكتاب (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) هذا من إضافة المصدر للمفعول، أي فيه تذكير لكم بالحق والمواعظ والأحكام الشرعية العادلة التي تنظم العلاقات بين
العباد آحادا وجماعات ودولا، وفيه المواعظ والقصص والعبر، وكل هذا تذكرة وهداية وإرشاد.
ويقول الزمخشري: إن الذكر هنا هو الشرف، أي أن هذا الكتاب فيه شرف لكم لأنه يشرف من ينزل إليهم، ومن يشيع علمه بينهم، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لكَ وَلِقَوْمِكَ...).
ونقول: إذا كان العرب يتفاخرون بقصيدة يقولها شاعر في قبيلة فتكون فخرا لها فإن القرآن أعلى كلام في الوجود، وأبلغه، وما قاله بشر، بل قاله الله تعالى وهو تنزيل من عزيز حميد، لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنه لا يعرف قدره إلا من يعلو في البيان إلى تدبر معانيه، وفصاحة مبانيه، وبلاغة كلامه ومقتضيات الأحوال؛ ولذا قال تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) " الفاء " عاطفة على فعل محذوف يقدَّر بما يناسب المقام فيقدر مثلا: أتردونه فلا تعقلون، فلا تدركون بعقولكم حقيقة ما تردون، ويعود بالخير عليكم شرفا وهداية وإرشادا ومواعظ وعبرًا، والتنكير في (كتاب) لبيان شرفه أي كتاب أي كتاب.
عاد سبحانه بعد هذا الإرشاد الحكيم بالقرآن الكريم، فقال عز من قائل:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة