ثم قال تعالى : إِنَّ في هذا أي : ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، لبلاغًا أي : كفاية، أو سبب بلوغ إلى البغية، من رضوان الله تعالى، ومحبته، وجزيل ثوابه، فمن تبع القرآن وعمل به، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم، فالقرآن زادُ الجنة كبلاغ المسافر، فهو بلاغ وزاد لقومٍ عابدين أي : لقومٍ همتُهُم العبادة دون العادة. وبالله التوفيق.
تَبِعَهُ العَالِم في الأقوال والعابد الزاهد في الأفعال وبهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد بالأخلاق
الإشارة : قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله، والإقبال عليه. فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه. والمراد بالوراثة : التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاحَ الدين وهداية المخلوقين، وهم على قسمين : قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم، وهم العلماء الأتقياء، فهم يُبلغون الشرائع والأحكام، لإصلاح نظام الإسلام، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ... [ التّوبَة : ١٢٢ ] الخ، وقسم يتصرفون في بواطنهم ؛ وهم أهل التصرف العارفون بالله، على اختلاف مراتبهم ؛ من غوث وأقطاب وأوتاد، وأبدال، ونجباء، ونقباء، وصالحين، وشيوخ مربين، فهم يُعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال، حتى يتطهر مَنْ يصحبهم من الرذائل، ويتحلى بأنواع الفضائل، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس. وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها، كما قال ابن البنا في مباحثه :
| تَبِعَهُ العَالِم في الأقوال | والعابد الزاهد في الأفعال |
| وبهما الصوفي في السباق | لكنه قد زاد بالأخلاق |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي