روى عبد الله بن الحارث بن نوفل(٢) قال : قلت لكعب : أرأيت قول الله تعالى : يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ثم قال : جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً (٣) أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح، وأيضاً قال : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة (٤) فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار وقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال(٥).
فإن قيل : هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام ؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب : أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها(٦) يسبح الله وببعضها(٧) يلعنون أعداء الله. أو يقال : معنى قوله :«لاَ يَفْتَرُونَ » أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في(٨) أوقاته اللائقة به كما يقال : إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها(٩).
٣ من قوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ الله على كل شيء قدير [فاطر: ١]..
٤ من قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [البقرة: ١٦١]..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٩..
٦ في ب: بعضها..
٧ في النسختين: وبعضها..
٨ في ب: و..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود