قوله : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ . قال قتادة : عنى إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إلهٌ من دون الله١.
والآية لا تدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه، وهذا قريب٢ من قوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ٣ قوله :«فذلك نجزيه » يجوز في «ذلك » وجهان :
أحدهما : أنه مرفوع بالابتداء٤، وهذا وجه حسن.
والثاني : أنه منصوب بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر٥، والمسألة من باب الاشتغال، وفي هذا الوجه إضمار عامل مع الاستغناء عنه، فهو مرجوح٦.
والفاء وما في حيزها في موضع جزم جواباً للشرط٧.
و «كذلك » نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر أي جزاء مثل ذلك الجزاء، أو نجزي٨ الجزاء حال كونه مثل ذلك٩.
وقرأ العامة «نَجْزِيه » بفتح النون، وأبو عبد الرحمن المقرئ١٠ بضمها١١، ووجهها أنه من أجزأ بالهمز من أجزائي١٢ كذا، أي : كفاني، ثم خففت الهمزة فانقلبت إلى الياء١٣.
فصل١٤
احتجت المعتزلة بقوله : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، لأنه لا يقال في أهل الكبائر : إن الله يرتضيهم.
والجواب : قول ابن عباس والضحاك : أن معنى إِلاَّ لِمَنِ ارتضى أي لمن قال : لا إله إلا اله. وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وهو أن من قال لا إله إلا اله فقد ارتضاه الله في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله في ذلك ( فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله )١٥ لأن المركب متى صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت الله سبحانه قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس.
فصل١٦
دلَّت الآية على أن الملائكة مكلفون لقوله : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، وعلى١٧ أن الملائكة معصومون. قوله : كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين قال القاضي عبد الجبار : هذا يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم، كما توعد الملائكة به، وذلك يوجب القطع بأنه تعالى لا يغفر الكبائر في الآخرة. وأجيب بأن أقصى١٨ ما فيه أن هذا العموم مشعر بالوعيد، وهو معارض بعمومات الوعد.
والمراد ب «الظَّالِمينَ » الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
٢ في الأصل: أقرب..
٣ من قوله تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [الزمر: ٦٥] وانظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٤ والجملة بعده خبر التبيان ٢/٩١٦..
٥ انظر التبيان ٢/٩١٦..
٦ وأيضا فالجملة خرجت من الاسمية إلى الفعلية، ولا يوجد سبب لاقتران جواب الشرط بالفاء..
٧ وهو قوله: "ومن يقل منهم..." وانظر التبيان ٢/٩١٦..
٨ في ب: ونجزي..
٩ وجوز أبو البقاء في "كذلك" أن يكون في موضع نصب بـ "نجزي" أي جزاء مثل ذلك التبيان ٢/٩١٦. ولو نظرنا إلى تقدير أبي البقاء لوجدناه يقصد أنه نعت لمصدر محذوف..
١٠ هو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمان القرشي المقرئ البصري ثم الكوفي إمام كبير في الحديث، ومشهور في القراءات، روى الحروف عن نافع، روى عنه ابنه محمد شيخ أبي بكر الأصبهاني، مات سنة ٣٢٢ هـ طبقات القراء ١/٤٦٣-٤٦٤..
١١ المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٧..
١٢ في ب: أجزأ في. وهو تحريف..
١٣ وقد وجه ابن جني هذه القراءة بأنه يقال: أجزأني الشيء أي كفاني، فكأنه في الأصل نجزئ به جهنم، أي نكفيها به، ثم حذف حرف الجر فصار نجزئه جهنم، أي نطعمه جهنم، كما حذف حرف الجر في قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه، ثم أبدلت الهمزة من "نجزئه" ياء على حد أخطيت وإبدال الهمزة هنا ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف. انظر المحتسب ٢/٦٢، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٣٩، وانظر أيضا البحر المحيط ٦/٣٠٧..
١٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠-١٦١..
١٧ في ب: على..
١٨ في ب: أقضى..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود