وقال مجاهد: لمن رضي عنه (١).
وقال السدي: للمؤمنين.
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ أي: خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول مُشْفِقُونَ خائفون لا يأمنون مكره. وذكرنا الكلام في هذا أبلغ عند قوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢).
٢٩ - قوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ أي: الملائكة إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ من دون الله فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ قال قتادة: (٣)، والضحاك (٤)، والسدي، والكلبي: يعني إبليس لعنة الله، لأنه أمر بطاعته ودعا إلى عبادة نفسه (٥).
كَذَلِكَ كما جزيناهم جهنم نَجْزِي الظَّالِمِينَ قال ابن عباس: يريد المشركين.
٣٠ - قوله: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: أولم يعلموا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: كَانَتَا لأنه أراد السماء والأرض (٦).
(٢) المؤمنون: ٥٧. ولم تتقدم، وستأتي بعد.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ١٧، وذكره السيوطي في في "الدر المنثور" ٥/ ٦٢٥ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٦٢٥ وعزاه لابن أبي حاتم.
(٥) قال ابن عطية ١٠/ ١٤٠: وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرد قط أنه ادعى ربوبية. اهـ. والأظهر أن يقال إنّ السياق في الملائكة، والمعنى على سبيل الفرض أنهم يقولون ذلك، وهم لا يقولونه. انظر: "روح المعاني" للآلوسي ١٧/ ٣٣.
(٦) قول أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" ٢/ ٣٦. وقول الزجاج في كتابه: "معاني القرآن" ٢/ ٣٩٠.
وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان (١) وفي كتاب الله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [فاطر: ٤١] (٢).
قوله تعالى: رَتْقًا الرتق معناه في اللغة: السد. يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج (٣).
وقوله تعالى: فَفَتَقْنَاهُمَا الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا. ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه (٤).
قال أبو إسحاق: وقيل رَتْقًا لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق (٥).
واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله -عَزَّ وَجَلَّ- السماء بالمطر والأرض
(٢) "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٦٩، "الدر المصون" ٨/ ١٤٧.
(٣) انظر: (رتق) في "تهذيب اللغة" للأزهري (٩/ ٥٣ - ٥٤)، "الصحاح" للجوهري ٤/ ٤٨٠، "لسان العرب" ١٠/ ١١٤.
(٤) انظر: (فتق) في: "تهذيب اللغة" للأزهري ٩/ ٦٢، "الصحاح" للجوهري ٤/ ١٥٣٩ - ١٥٤٠، "لسان العرب" ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٩٠.
بالنبات (١).
وهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب (٢)، وعطية العوفي، وابن زيد (٣)، واختيار الفراء (٤) وابن قتيبة (٥).
(٢) هو أبان بن تغلب، أبو سعد -وقيل: أبو أمية- الربعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ. قال ابن عدي: وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. وقال الذهبي: وهو صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار. وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه للتشيع. توفي سنة ١٤٠ هـ، وقيل: ١٤١ هـ. "الكامل" لابن عدي ١/ ٣٨٠، "تهذيب الكمال" للمزي ٢/ ٦ - ٨، "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٣٠٨ - ٣٠٩، "تقريب التهذيب" لابن حجر ٢/ ٣٠، "غاية النهاية" لابن الجزري ١/ ٤. ولم أجد هذه الرواية عن مجاهد من طريق أبان، لكن وجدتها من طريق خصيف، عن مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (ص ٢٠٠) عن خصيف.
(٣) رواها الطبري في "تفسيره" ١٧/ ١٧. وذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٢٩ أ.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٠١.
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٨٦.
الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. وهذا قول الحسن، وقتادة (١)، والضحاك (٢)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٣).
قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً توسطتها ففتحها بها (٤).
الوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون.
وهذا قول أبي صالح (٥)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيج (٦)،
(٢) ذكره عن الضحاك الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٢٩ أ. وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص ٢٠٠ عن الضحاك قال: كن سبعًا ملتزقات ففتق بعضهن عن بعض. ورواه الطبري ١٧/ ١٨ من طريق الضحاك، عن ابن عباس.
(٣) روى سفيان في "تفسيره" ص ٢٠٠ عن أبيه، عن عكرمة، سئل ابن عباس رضي الله عنهما. أيهما كان قبل الليل أو النهار؟ فقرأ "أو لم ير.... " الآية ثم قال: وهل كانن بينهما إلا ظلمة. وكذا رواه أبو الشيخ في "العظمة" ٤/ ١٣٦٨. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٣ والطبري ١٧/ ١٩ من طريق عكرمة مختصرًا.
(٤) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٢٩ أ. وهو من الإسرائيليات.
(٥) رواه عنه الطبري ١٧/ ١٩، وأبو الشيخ في "العظمة" ٣/ ١٠٢٥، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٦٢٦ ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأي الشيخ في العظمة.
(٦) رواه الطبري ١٨/ ١٨، وأبو الشيخ في "العظمة" ٣/ ١٠٢٦، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": ٥/ ٦٢٦ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشخ في "العظمة".
والسدي (١)، واختيار أبي إسحق، قال: المعنى أن السموات كانت سماء واحدة (٢) مرتتقة، ففتقها الله، فجعلها سبعًا وجعل الأرض سبع أرضين (٣).
وأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما.
قال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٤).
أي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي. وهذا قول قد حكي (٥)، وتحتمله دلالة الآية.
والمفسرون على قول آخر. قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء (٦).
(٢) في (أ)، (ت): (واحد).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٩٠.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٩٠. وقال الطبري ١٧/ ١٩ عن هذا القول أنه أولى الأقوال بالصواب، لدلالة قوله "وجعلنا من الماء كل شيء حي" على ذلك، وأنّه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدّمه من ذكر أسبابه. وقال ابن عطية في "المحرر" ١٠/ ١٤١: وهذا قول حسن، يجمع العبرة وتعديد النعمة واحبيبة بمحسوس بين، ويناسب قوله وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار.
(٥) انظر: "الطبري" ١٧/ ١٩ - ٢٠.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ٢٠.
وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة (١).
قال المفسرون (٢) إنَّ كل شيء حي فهو مخلوق من الماء كقوله: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور: ٤٥].
وعلى هذا لا يتعلق قوله: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين.
وقوله تعالى: أَفَلَا يُؤْمِنُونَ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان.
٣١ - قوله تعالى: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ذكرنا تفسير هذه القطعة عند قوله: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ في سورة النحل [آية: ١٥].
وتقدير قوله: أَنْ تَمِيدَ كتقدير قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] وقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة: ٢٨٢] وذكرنا الخلاف بين النحويين في هذه المسألة (٣).
(٢) انظر: "الطبري" ١٧/ ٢٠، و"الثعلبي" ٣/ ٢٩ أ.
(٣) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا. وقد اختلف النحويون في تقدير "أن تميد" ونحوها من الآيات فعند الكوفيين "إنْ" بمعنى لئلا، أو ألَّا، على تقدير: لئلا تميد، لئلا تضلوا. وقال البصريون: المحذوف هاهنا مضاف، على تقدير: مخافة أن تميد أو كراهة أن تميد، وكراهة أن تضلوا. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إلى مقامه، قالوا: و"لا" حرف جاء لمعنى النفي فلا يجوز حذفه، وحذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف "لا".
انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٩٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٥١١، =
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا أي: في الرواسي.
فِجَاجاً قال أبو عبيدة: يعني المسالك (١).
وقال أبو إسحق: كل مخترق بين جبلين فهو فج (٢).
وقال الليث: الفج: الطريق الواسع بين الجبلين (٣).
وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فَجٌّ وأفُجٌّ وفِجَاج (٤).
والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، يقال: فججت رجلي أفجهما (٥) فجًّا، إذا وسعت بينهما.
ومنه قيل للطريق بين جبلين: فج؛ لأنه كأنه فرج بين الجبلين. ويقال: افجج فلان افتجاجا، إذا سلك الفجاج (٦).
وذكر بعض أهل التفسير أن الكناية عن قوله: فِيهَا فِجَاجًا عائدة إلى الأرض (٧).
(١) "مجاز القرآن" ٢/ ٣٧.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٩٠.
(٣) قول الليث في "العين" ٦/ ٢٤ "فج" مع اختلاف في آخره [في قبل جبل ونحوه].
(٤) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٥٩٧ - ٥٠٨ "فَجَّ".
(٥) في جميع النسخ: (أفجها)، والتصويب من "تهذيب اللغة".
(٦) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٥٠٨ (فجَّ) منسوبًا إلى الأصمعي.
(٧) نسبه الرازي في تفسيره ٢٢/ ١٦٥ إلى الكلبي، وهو اختيار الطبري فقد قال في تفسيره ١٧/ ٢١: وإنما اخترنا القول الآخر، وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل، وذلك أن ذلك =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي