ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

قوله : وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ الرواسي الجبال، والراسي : هو الداخل في الأرض١. قوله :«أنْ تَمِيدَ » مفعول من أجله، أي : أن لا تميد٢، فحذفت «لا » لفهم المعنى كما زيدت في لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ٣، أو كراهة أن تميد٤ وقدره أبو البقاء فقال : مخافة أن تميد٥ وفيه نظر، لأنا إن جعلنا المخافة مسندة إلى٦ المخاطبين اختل شرط من شروط النصب في المفعول وهو اتحاد الفاعل٧. وإن جعلناها مسندة لفاعل الجعل استحال ذلك، لأنه تعالى لا يسند إليه الخوف. وقد يقال يختار أن يسند المخافة إلى المخاطبين، وقولكم يختل شرط من شروط النصب جوابه : أنه ليس بمنصوب بل مجرور بحرف الجر٨ المقدر٩، وحذف حرف الجر مطرد مع أنَّ وأَنْ بشرطه١٠.

فصل


قال ابن عباس : إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها السفينة فأرساها١١ الله بالجبال الثقال١٢. قوله : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً في " فجاجا " وجهان :
أحدهما : أنه ( مفعول به )١٣ و «سُبُلاً » بدل منه١٤.
والثاني : أنه منصوب على الحال من «سُبُلاً »١٥، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب كقوله :
٣٧١١- لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ*** يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ١٦
ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا س ُبُلاً فِجَاجاً
وقال الزمخشري : فإن قلت : في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كقوله تعالى : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ١٧، قلت : لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله :
٣٧١٢- لعزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ قَدِيمُ١٨ ***. . .
فإن قلت : ما الفرق بينهما من جهة المعنى ؟ قُلْتُ : أحدهما : إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني : أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة١٩. قال أبو حيان : يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه، وإن كان٢٠ الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال : مررت بوحشيّ القاتل حمزة، وحالة٢١ المرور لم يمن قائماً به قتل حمزة٢٢. والفَجُّ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ، والجمع الفِجَاج٢٣. والضمير في «فيها » يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله والله٢٤ جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ٢٥ ٢٦. وأن يعود على الرواسي٢٧، يعني أنه جعل في الجبال طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال : كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً٢٨. وقوله لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لكي يهتدوا٢٩ إذ الشك لا يجوز على الله٣٠. والمعنى٣١ : ليهتدوا إلى البلاد. وقيل : ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم.
وقيل : الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملاً في مفهوميه٣٢ معاً٣٣.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
٢ قاله الكوفيون. الكشاف ٣/١٠، القرطبي ١١/٢٨٥..
٣ "الكتاب": سقط من ب. [الحديد: ٢٩]..
٤ قاله البصريون. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩٠، القرطبي ١١/٢٨٥..
٥ التبيان ٢/٩١٧..
٦ إلى: سقط من ب..
٧ لأن من شروط النصب في المفعول له اتحاده بالمعلل به فاعلا بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحد. انظر شرح التصريح ١/٣٣٥..
٨ في النسختين: العلة..
٩ كما قدره الكوفيون: لئلا. الكشاف ٣/١٠..
١٠ شرط حذف الجار مع (أنّ، وأنْ) أمن اللبس، نحو قوله تعالى: أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم [الأعراف: ٦٣، ٦٩]. وقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: ١٨] أي: من أن جاءكم، وبأنه فإن خيف اللبس امتنع الحذف كما في رغبت في أن تفعل أو عن أن تفعل، لإشكال المراد بعد الحذف. واطرد حذف حرف الجر مع (أنّ) و(أنْ) لطولهما بالصلة انظر المغني ٢/٦٤٠، الأشموني ٢/٩١-٩٢..
١١ في ب: وأرساها..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
١٣ ما بين القوسين سقط من ب..
١٤ انظر التبيان ٢/٩١٧..
١٥ المرجع السابق..
١٦ البيت من مجزوه الوافر لكثير، وهو في ديوانه ٢/٢١٠ والكتاب ٢/١٢٣، ومجالس العلماء ١٣١، ١٣٢، والخصائص ٢/٤٩٢. ابن يعيش ٢/٥٠ المغني ١/٨٥، وشذور الذهب ٢٤، ٢٥٣، المقاصد النحوية ٣/١٦٣ شرح التصريح ١/٣٧٥ وشرح شواهد المغني ١/٣٤٩، شرح الأشموني ٢/١٧٤ والخزانة ٣/١١٢.
ميّة: اسم امرأة. الموحش: المنزل الذي صار قفرا لا أنيس به. الطلل: ما شخص من آثار الديار. خلل: جمع خلّة: وهي بطائن يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره. والشاهد فيه نصب (موحشا) على الحال، وكان أصله صفة لـ (طلل) فقدمت على الموصوف فصارت حالا، وذلك لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها صارت حالا..

١٧ ؟؟؟؟؟.
١٨ صدر بيت من بحر الوافر قاله كثير، وعجزه: عفاه كل أسحم مستديم. وهو في ديوانه ٢/٢١٠، ابن يعيش ٢/٦٢-٦٤ وشرح التصريح ١/٣٧٥، الخزانة ٣/٢٠٩ عفاه: درسه وغيره. الأسحم: الأسود، والمراد هنا السحاب لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه. المستديم: صفة (كل) وهو السحاب الممطر مطر الديمة. والديمة: مطرة أقلها ثلث النهار أو ثلث الليل. والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق..
١٩ الكشاف ٣/١٠..
٢٠ كان: سقط من ب..
٢١ في ب: وبحالة..
٢٢ البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٣ وفي اللسان (فجج): الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وجمعه فجاج..
٢٤ في الأصل: "الله"..
٢٥ [نوح: ١٩، ٢٠]..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥، البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
٢٩ في النسختين: لكي يهتدون..
٣٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
٣١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
٣٢ في الأصل: مفهومين..
٣٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية