قلت : فِجَاجًا : حال من " سُبل "، وأصله : وصف له، فلما تقدم أُعرب حالاً. وقيل سُبُلاً : بدل من فجاجًا . وفي إتيانه : إيذان أن تلك الفجاج نافذة ؛ لأن الفج قد يكون نافذًا وقد لا. قاله المحشي.
وجعلنا في الأرض رواسِيَ أي : جبالاً ثوابت، من رسا الشيءُ ؛ إذا ثبت ورسخ، أن تميد بهم أي : كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم -بحذف اللام-، و " لا " ؛ لعدم الإلباس. وجعلنا فيها أي : في الأرض، وتكرير الجعل ؛ لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي ؛ لأنها المحتاجة إلى الطرق، فِجاجًا : جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي : جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و سُبُلاً نافذة : فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل : أيّ فرق بين هذا وبين قوله : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً [ نُوح : ٢٠ ] ؟ فالجواب : أنه هُنا بيَّن أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بيَّن أنه جعل فيها طُرقًا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي.
وقوله تعالى : لعلهم يهتدون أي : إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم.
وجعلنا السماء، أي : سماء القلوب الصافية، سقفًا محفوظًا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم :" إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ ". وهم عن آياتها، أي : عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون ؛ لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كلٌّ في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي