ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ( ٣٠ ) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ( ٣١ ) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آيتها معرضون ( ٣٢ ) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون [ الأنبياء : ٣٠- ٣٣ ].
المعنى الجملي : بعد أن حكى مقالات أولئك المشركين الذين كانوا يعبدن آلهة من دون الله، ومقالات أولئك الذين قالوا اتخذ الله ولدا من الملائكة وطالبهم بالدليل على صدق ما يدعون، وبين لهم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك من طريق العقل كما هو واضح ولا من طريق النقل، إذ كان الرسل السابقين كان أس دعوتهم أن لا إله إلا أنا فاعبدون.
قفى على ذلك بتوبيخهم على عدم تدبرهم الآيات المنصوبة في الكون الدالة على التوحيد، ولفت أنظارهم إلى أنه لا ينبغي عبادة الأصنام والأوثان، فإن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات لا يعبد سواه من حجر أو شجر لا يضر ولا ينفع.
تفسير المفردات :
الرواسي : الثوابت واحدها راسية. وتميد : تتحرك وتضطرب. والفجاج : واحدها فج، وهو شقة يكتنفها جبلان. والسبل واحدها سبيل : وهو الطريق الواسع.
الإيضاح :
( ٣ ) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت، لئلا تميد وتضطرب بهم.
وقد أثبت العلم حديثا أن الأرض كانت نارا ملتهبة، ثم بردت قشرتها، وصارت صوانية صلبة، وقدروا زمن ذلك بنحو ثلاثمائة مليون سنة.
ومما يدل على صدق هذه النظرية ما نراه من حمم النيران التي تخرجها البراكين في جهات كثيرة من الأرض كما حدث سنة ١٩٠٩ لبركان ويزوف بإيطاليا، وقد طغى على مدينة مسينا، وابتلعها في باطنه ولم يبق منها شيئا.
فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفس بها الأرض، لتخرج من باطنها نيرانا ومواد ذائبة، مما يرشد إلى أنها كلها في أحقاب طويلة كانت كذلك.
ولولا هذه القشرة الصلبة لتفجرت ينابيع النيران من سائر جهاتها كما كانت بعد ما انفصلت من الشمس كثيرة الثوران والفوران.
وهذه القشرة الصوانية البعيدة الغور المغلقة للكرة النارية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، وهي التي نبتت منها الجبال التي نراها فوق أرضنا، وقد جعلت لحفظ الأرض من أن تميد، وما هي إلا كأسنان لها، طالت وامتدت فوق طبقات الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقي ما تحتها مفتوحا، وإذ ذاك ربما تثور البراكين في جهات كثيرة من الأرض وتضطرب اضطرابا شديدا وتزلزل زلزالا كثيرا.
وخلاصة ذلك : إنه لو لم تكن هذه الجبال التي هي قطعة من قشرة الأرض مرتفعة لما وجد ما يحفظ النيران المشتعلة في باطن الأرض من الظهور على سطحها بالبراكين والزلازل، وإذ ذاك ربما تضطرب الأرض اضطرابا شديدا وتخرج نيرانها الملتهبة من باطنها وتطغى على سطحها وتهلك الحرث والنسل.
وقد قدر العلماء حديثا نسبة الجبال إلى الأرض فقالوا : لو كان قطر الكرة الأرضية مترا لم تزد الجبال على ملليمتر ونصف فحسب.
وهذه هي المعجزة الثالثة في الآية التي ترشد إلى أن القرآن وحي يوحى، فما محمد ولا قومه ولا الأمم المعاصرون لهم يعلمون شيئا من هذه الآيات الكونية التي أيد صحتها تقدم العلوم، ففهم ظاهر الأرض وباطنها.
وفي هذا مصداق لما أثر عن علي كرم الله وجهه :" القرآن جديد لا تبلى جدته ".
( ٤ ) وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون أي وجعلنا في الأرض طرقا بين جبالها يسلكها الناس من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى آخر، ليهتدوا بذلك إلى مصالحهم ومهام أمورهم المعيشية.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير