ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

فأجابهم بقوله -عليه السلام-١
بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الآية٢. قوله «بالحَقِّ » متعلق ب «جئت »، وليس المراد به٣ حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً٤. و «أَمْ أَنْتَ » «أَمْ » متصلة٥ وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير : أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعلك كقوله :

٣٧٢٥- ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي٦ بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ٧
وقوله٨ :
٣٧٢٦- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ٩
يريد : أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ ب ( بل ) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله :«الذي فَطَرَهُنَّ » يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في «فَطَرَهُنَّ » للسموات والأرض١٠. قال أبو حيان : ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة١١. قال شهاب الدين : إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلاَّ أنْ نقول١٢ : إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهم، فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه١٣. وقيل : على التماثيل١٤.
قال الزمخشري : وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم١٥.
وقال ابن عطية :«فَطَرَهُنَّ » عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره :«فَطَرَهُنَّ » أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل١٦، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ١٧ وقوله -عليه السلام-١٨ «أطّتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ١٩ »٢٠ قال شهاب الدين : كأنَّ ابن عطية وذا القائل توهما أنَّ ( هُنَّ ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ٢١ ثم قال تعالى : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ٢٢ ٢٣ .
قوله : عَلَى ذَلِكُمْ متعلق بمحذوف٢٤ أو ب «الشَّاهدِينَ » اتساعاً٢٥، أو على البيان٢٦، وقد تقدم نظيره نحو لَكُمَا لَمِنَ٢٧ الناصحين٢٨ .

فصل٢٩


اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً. أمَّا القول فهو قوله : قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ٣٠ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ٣١، ثم قال : وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين أي : على أنه لا إله إلا الذي يستحق العبادة إلا هو. وقيل : مِّنَ الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض.
وقيل : إنِّي قادر على إثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول٣٢ ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل : المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه : أشهد أنه كريم أو ذميم.
١ في ب: فأجابهم عليه الصلاة والسلام بقوله..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨١..
٣ في ب: أنه. وهو تحريف..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٥ أم المتصلة هي التي يتقدم عليها همزة التسوية نحو سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم [المنافقون: ٦] أو يتقدم عليها همزة يطلب بها وبـ (أم) التعيين نحو أزيد في الدار أو عمرو؟ انظر المغني ١/٤١..
٦ في النسختين: حقاني. وهو تحريف..
٧ البيت من بحر الخفيف قاله حسان بن ثابت، وهو في شرح الديوان (٤٣٤) والكتاب ٣/١٨١ والمقتضب ٣/٢٩٨، أمالي ابن الشجري ٢/٣٣٤، المقاصد النحوية ٤/١٣٥، الخزانة ١١/١٥٥..
٨ وقوله: سقط من ب..
٩ البيت من بحر الطويل نسبه سيبويه إلى الأسود بن يعفر ونسبه المبرد في الكامل إلى اللعين المنقري، وهو في الكتاب ٣/١٧٥، المقتضب ٣/٢٩٤، الكامل ٢/٧٩٣ ٣/١٠٩٥، المحتسب ١/٥٠، المغني ١/٤٢، المقاصد النحوية ٤/١٣٨، شرح التصريح ٢/١٤٣، الهمع ٢/١٣٢، شرح شواهد المغني ١/١٣٨، الأشموني ٣/١٠١، ١٠٤، الخزانة ١١/١٢٨، الدرر ٢/١٧٥. شعيث: حي من تميم، ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء، وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم: حي من قيس.
والشاهد فيه وقوع (أم) المتصلة بين جملتين اسميتين.
واستشهد به سيبويه على حذف همزة الاستفهام ضرورة لدلالة (أم) عليها..

١٠ انظر الكشاف ٣/١٤، البحر المحيط ٦/٣٢١..
١١ البحر المحيط ٦/٣٢١..
١٢ في ب: يقال..
١٣ الدر المصون ٥/٥٢..
١٤ انظر الكشاف ٣/١٤، البحر المحيط ٦/٣٢١..
١٥ الكشاف ٣/١٤..
١٦ تفسير ابن عطية ١٠/١٦١..
١٧ من قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: ١١]..
١٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٩ أخرجه الترمذي (زهد) ٤/٥٥٦، ابن ماجه (زهد) ٢/١٤٠٢ أحمد ٥/١٧٣، وانظر النهاية في غريب الحديث ١/٥٤، الفائق ١/٤٩. الأطيط: الحنين والصوت أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت..
٢٠ انظر البحر المحيط ٦/٣٢١..
٢١ من قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم [التوبة: ٣٦]..
٢٢ أخرجه الترمذي (زهد) ٤/٥٥٦، ابن ماجه (زهد) ٢/١٤٠٢ أحمد ٥/١٧٣، وانظر النهاية في غريب الحديث ١/٥٤، الفائق ١/٤٩. الأطيط: الحنين والصوت أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت..
٢٣ الدر المصون ٥/٥٢..
٢٤ انظر البيان ٢/١٦٢، والتبيان ٢/٩٢٠، البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٢٥ أي: لاتساعهم في الظرف والمجرور. البحر المحيط ٦/٣٢١..
٢٦ انظر البحر المحيط: ٦/٣٢١..
٢٧ في ب: من. وهو تحريف..
٢٨ من قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [الأعراف: ٢١]..
٢٩ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨١-١٨٢..
٣٠ في الأصل: وما لا. وهو تحريف..
٣١ [مريم: ٤٢]..
٣٢ في ب: أقوى. وهو تحريف..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية