فعلى هذا معنى مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أردنا إهلاكها بتكذيبها والتقدير الأول في أَهْلَكْنَاهَا هو معنى قول الكلبي.
٧ - قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا هذا جواب لقولهم: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء: ٣] (١).
يقول الله: لم نرسل قبل محمد إلا رجالا من بني آدم، لا ملائكة.
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ قال الحسن، وقتادة، والكلبي: يعني أهل التوراة والإنجيل (٢).
وقال السدي: يعني اليهود والنصارى (٣).
يقول (٤): سلوهم هل جاءهم إلا رجال (٥) يوحى إليهم.
إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أن الرسل بشر.
وأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: لا يجوز مراجعة اليهود والنصارى في شيء، وقالوا: المراد بأهل الذكر من آمن منهم بمحمد -صلى الله عليه وسلم-.
وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد أهل التوراة الذين آمنوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- (٦).
(٢) ذكره عن الحسن وقتادة: الطوسي في "التبيان" ٧/ ٢٠٥، والحاكم الجشمي في "التهذيب" ٦/ ١٣٧ ب، والماوردي في "النكت والعيون" ٣/ ٤٣٨. ورواه الطبري ١٧/ ٥، عن قتادة. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٢ عن الكلبي قال: يعني أهل التوراة.
(٣) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ١٣٢، وعزاه لابن أبي حاتم. ذكره عند قوله تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل: ٤٣].
(٤) في (ت): (بقوله).
(٥) في (أ): (رجالاً).
(٦) روى الطبري ١٤/ ١٠٩ من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: يعني أهل الكتب =
وقال ابن زيد: يعني (١): فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن. قال: وأراد بالذكر هاهنا القرآن (٢).
وقال أبو إسحاق: هذا السؤال إنما يكون لمن (٣) كان مؤمنا من أهل الكتاب لأن القبول من أهل الصدق والثقة (٤).
هذا قول هؤلاء. والوجه القول الأول (٥)؛ لأن الله تعالى أمر المشركين بهذا السؤال لا المسلمين وهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتاب أقرب منهم إلى تصديق من آمن. واليهود والنصارى لا
(١) (يعني): ساقطة من (د)، (ع).
(٢) "الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٢٨ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٥ مختصرًا. وقد رد ابن عطية -رحمة الله- هذا القول، فقال في "المحرر الوجيز" ١٠/ ١٢٧: الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله عباده، فأهل القرآن أهل ذكر، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت: لأنهم كانوا خصومهم. كما استبعده الرازي، فقال في "التفسير الكبير" ٢٢/ ١٤٤: وهو بعيدة لأنهم كانوا -يعني المشركين- طاعنين في القرآن وفي الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
(٣) في (أ): (ممن)، وهو خطأ.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٣/ ٣٨٥ وفيه: لأن القول يكون.. وفيه أيضًا أهل الكتب.
(٥) وبه قال الطبري، والبغوي، وابن عطية، والرازي، وابن كثير وغيرهم، واستظهره أبو حيان. قال ابن عطية: وإنما أحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- فتجيء شهادتهم -بأن الرسل قديمًا من البشر لا مطعن فيها- لازمة لكفار قريش. انظر: "الطبري" ١٧/ ٥، و"معالم التنزيل" ٣/ ٣١١، و"المحرر الوجيز" ١٠/ ١٢٧، و"التفسير الكبير" ٢٢/ ١٤٤، و"البحر المحيط" ٦/ ٢٩٨، و"تفسير ابن كثير" ٣/ ١٧٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي