ثم يقول الحق سبحانه : وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( ٧٠ ) .
والمراد بالكيد هنا مسألة الإحراق، ومعنى الكيد : تدبير خفي للعدو حتى لا يشعر بما يدبر له، فيحتاط للأمر، والكيد يكون لصالح الشيء، ويكون ضده، ففي قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف.. ( ٧٦ ) ( يوسف )
أي : لصالحه فلم يقل : كدنا يوسف إنما كدنا له، وقالوا في الكيد : إنه دليل ضعف وعدم قدرة على المواجهة، فالذي يدبر لغيره، ويتآمر عليه خفية ما فعل ذلك إلا لعدم قدرته على مواجهته.
لذلك يقولون : أعوذ بالله من قبضة الضعيف، فإني قوي على قبضة القوي. فإذا ما تمكن الضعيف من الفرصة لا يدعها ؛ لأنه لا يضمنها في كل وقت، أما القوي فواثق من قوته يستطيع أن ينال خصمه في أي وقت، ومن هنا قال الشاعر :
وضعيفة فإذا أصابت فرصة
قتلت كذلك قدرة الضعفاء
لذلك استدلوا على ضعف النساء بقوله تعالى : إن كيدكن عظيم ( ٢٨ ) ( يوسف ) : وما دام أن كيدهن عظيم، فضعفهن أيضا عظيم أو حتى أعظم.
ثم يقول تعالى : فجعلناهم الأخسرين ( ٧٠ ) ( الأنبياء ) : والأخسرون جمع أخسر، على وزن أفعل ؛ ليدل على المبالغة في الخسران، وقد كانت خسارتهم في مسألة حرق إبراهيم من عدة وجوه : أولا أن إبراهيم عليه السلام لم يصبه سوء رغم إلقائه في النار، ثم إنهم لم يسلموا من عداوته، وبعد ذلك سيجازون على فعلهم، هذا في الآخرة، فأي خسران بعد هذا ؟
تفسير الشعراوي
الشعراوي