ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَصْلُ النَّافِلَةِ فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهُ النَّوَافِلُ فِي الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَاتٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْفَرْضُ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ وَلَدُ الصُّلْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:

فَإِنْ تَكُ أُنْثَى مِنْ مَعَدٍّ كَرِيمَةٌ عَلَيْنَا فَقَدْ أَعْطَيْتَ نَافِلَةَ الْفَضْلِ
أَيْ أَعْطَيْتَ الْفَضْلَ عَلَيْهَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الْكَرَامَةِ عَلَيْنَا، كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى بَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ هَذَا، وَكَمَا شَرَحَهُ بِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّكَّرِيُّ فِي شَرْحِهِ لِأَشْعَارِ الْهُذَلِيِّينَ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ إِيرَادَ صَاحِبِ اللِّسَانِ بَيْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْمَذْكُورَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ لِأَنَّ النَّافِلَةَ الْغَنِيمَةَ - غَيْرُ صَوَابٍ، بَلْ هُوَ غَلَطٌ. مَعَ أَنَّ الْأَنْفَالَ الَّتِي هِيَ الْغَنَائِمُ رَاجِعَةٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى مَعْنَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ تَكْرِيمٍ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا هَذَا النَّبِيَّ الْكَرِيمَ فَأَحَلَّهَا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ. أَوْ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمَغْنُومَةَ أَمْوَالٌ أَخَذُوهَا زِيَادَةً عَلَى أَمْوَالِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ بِلَا ثَمَنٍ.
وَقَوْلُهُ: نَافِلَةً فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: النَّافِلَةُ الْعَطِيَّةُ فَهُوَ مَا نَابَ عَنِ الْمُطْلَقِ مِنْ «وَهَبْنَا» أَيْ: وَهَبَنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ هِبَةً. وَعَلَيْهِ النَّافِلَةُ مَصْدَرٌ جَاءَ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. وَعَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ فَهُوَ حَالٌ مِنْ «يَعْقُوبَ» أَيْ: وَهَبْنَا لَهُ يَعْقُوبَ فِي حَالِ كَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ.
الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: جَعَلْنَاهُمْ يَشْمَلُ كُلَّ الْمَذْكُورِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَلُوطًا، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ، أَيْ جَعَلَهُمْ رُؤَسَاءَ فِي الدِّينِ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَأَعْمَالِ الطَّاعَاتِ. وَقَوْلِهِ بِأَمْرِنَا أَيْ: بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَحْيِ، وَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، أَوْ يَهْدُونَ النَّاسَ إِلَى دِينِنَا بِأَمْرِنَا إِيَّاهُمْ، بِإِرْشَادِ الْخَلْقِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى التَّوْحِيدِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ طَلَبَ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَةَ لِذَرِّيَّتِهِ الْمَذْكُورَ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» أَجَابَهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ دُونَ بَعْضِهَا، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ الظَّالِمِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ لَا يَنَالُونَ الْإِمَامَةَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ كَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، فَإِنَّهُمْ يَنَالُونَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى

صفحة رقم 166

فِي قَوْلِهِ هُنَا: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً [٢١] وَطَلَبُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [٢ ١٢٤] فَقَوْلُهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أَيْ: وَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ. فَأَجَابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أَيْ: لَا يَنَالُ الظَّالِمِينَ عَهْدِي بِالْإِمَامَةِ، عَلَى الْأَصْوَبِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: الظَّالِمِينَ أَنَّ غَيْرَهُمْ يَنَالُهُ عَهْدُهُ بِالْإِمَامَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا. وَهَذَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ أَشَارَ لَهُ تَعَالَى فِي «الصَّافَّاتِ» بِقَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [٣٧ ١١٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ [٢١] أَيْ: أَنْ يَفْعَلُوا الطَّاعَاتِ، وَيَأْمُرُوا النَّاسَ بِفِعْلِهَا. وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا النُّكْتَةَ الْبَلَاغِيَّةَ الْمُسَوِّغَةَ لِلْإِطْنَابِ فِي عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَعَكْسُهُ فِي الْقُرْآنِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَقَوْلُهُ: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ أَيْ: مُطِيعِينَ بِاجْتِنَابِ النَّوَاهِي وَامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ بِإِخْلَاصٍ، فَهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْهُ كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [١١ ٨٨].
وَقَوْلُهُ: أَئِمَّةً مَعْلُومٌ أَنَّهُ جَمْعُ إِمَامٍ، وَالْإِمَامُ: هُوَ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَيُطْلَقُ فِي الْخَيْرِ كَمَا هُنَا، وَفِي الشَّرِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [٢٨ ٤١] وَمَا ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ بِوَاقِعٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَإِقَامَ الصَّلَاةِ لَمْ تُعَوَّضْ هُنَا تَاءٌ عَنِ الْعَيْنِ السَّاقِطَةِ بِالِاعْتِلَالِ عَلَى الْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَعْوِيضِهَا عَنْهُ جَائِزٌ كَمَا هُنَا، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:

.......... وَأَلْفُ الْإِفْعَالِ وَاسْتِفْعَالِ
أَزِلْ لِذَا الْإِعْلَالِ، وَالَتَا الْزَمْ عِوَضْ وَحَذْفُهَا بِالنَّقْلِ رُبَّمَا عَرَضْ
وَقَدْ أَشَارَ فِي أَبْنِيَةِ الْمَصَادِرِ إِلَى أَنَّ تَعْوِيضَ التَّاءِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْعَيْنِ هُوَ الْغَالِبُ بِقَوْلِهِ:
وَاسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً ثُمَّ أَقِمْ إِقَامَةً وَغَالِبًا ذَا التَّا لَزِمْ
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّاءَ الْمَذْكُورَةَ عِوَضٌ عَنِ الْعَيْنِ أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ

صفحة رقم 167

أضواء البيان

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

سنة النشر 1415
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية