ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

قوله تعالى : وَلِسُلَيْمَانَ الريح العامة على النصب، أي : وسخرنا لسليمان، فهي منصوبة بعامل مقدر١. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر عن عاصم في رواية بالرفع على الابتداء، والخبر الجار قبله٢. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمع والنصب. وأبو حيوة بالجمع والرفع٣. وتقدم الكلام على الجمع والإفراد في البقرة٤، وبعض هؤلاء قرأ في سبأ٥ وكذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله :«عَاصِفَةً » حال، والعامل فيها على قراءة من نصب «سَخَّرْنَا » المقدر، وفي قراءة من رفع الاستقرار الذي تعلق به الخبر٦. يقال : عَصَفتِ الرِّيْحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً، فهي عَاصِفٌ وعَاصِفَةٌ. وأسد تقول : أَعصَفَتِ بالألف تعصف، فهي٧ مُعْصِفٌ ومَعْصِفَةٌ٨. والريح تذكر وتؤنث٩. والعاصفة : الشديدة الهبوب. فإن قيل : قد قال١٠ في موضع آخر تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً ١١ والرخاء : اللين قيل : كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت١٢.
فإن قيل : قال في داود : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال ، وقال في حق سليمان وَلِسُلَيْمَانَ الريح ١٣ فذكر في حق داود بكلمة مع وفي حق سليمان باللام وراعى١٤ هذا الترتيب أيضاً في قوله يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ ١٥ وقال : فَسَخَّرْنَا١٦ لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ ١٧ فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ مع، وسليمان باللام ؟
فالجواب : يحتمل أنّ الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي١٨.
قوله :«تَجْرِي » يجوز أن تكن حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من الضمير في «عَاصِفَة » فتكون حالين متداخلين١٩. وزعم بعضهم٢٠ : أَنَّ «الَّتِي بَارَكْتَا ( فِيهَا » صفة للريح، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير : الريح التي باركنا فيها )٢١ إلى الأرض. وهو تعسف. والمراد بقوله : إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا بيت المقدس٢٢. قال الكلبي : كان٢٣ سليمان -عليه السلام٢٤- وقومه يركبون٢٥ عليها من إصطخر٢٦ إلى الشام٢٧، وإلى حيث شاء، ثم يعود إلى منزله.
ثم قال : وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ وكنا بكل شيء عملناه عالمين بصحة التدبير فيه، علمنا أنما نعطي سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه.

١ انظر التبيان ٢/٣٣٢..
٢ المرجعان السابقان..
٣ المختصر (٩٢) البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٤ عند قوله تعالى: وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة: ١٦٤]..
٥ عند قوله تعالى: ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر [سبأ: ١٢]..
٦ انظر التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٧ في ب: فهو..
٨ اللسان (عصف)..
٩ قال ابن الأنباري: (والريح على وجهين: الريح من الرياح مؤنثة. والريح: الأرج والنشر وهما حركتا الريح مذكر) المذكر والمؤنث ١/٢٦٥-٢٦٦..
١٠ في الأصل: فإن قال قد قيل..
١١ من قوله تعالى: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب [ص: ٣٦]..
١٢ انظر البغوي ٥/٥٦٠٥، الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
١٣ في النسختين: وسخرنا لسليمان الريح..
١٤ في الأصل: راعى..
١٥ [سبأ: ١٠]..
١٦ في النسختين: وسخرنا. وهو تحريف..
١٧ في ب: أو سخرنا. وهو تحريف..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
١٩ انظر التبيان ٢/٩٢٤..
٢٠ هو المنذر بن سعيد قال أبو حيان: (وقال منذر بن سعيد الكلام تام عند قوله: "إلى الأرض" و"التي باركنا فيها" صفه للريح ففي الآية تقديم وتأخير يعني أن أصل التركيب ولسليمان الريح التي باركنا فيها عاصفة تجري بأمره إلى الأرض).
البحر المحيط ٦/٣٣٢-٣٣٣..

٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
٢٣ في ب: و. وهو تحريف..
٢٤ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
٢٥ في ب: يركبون. وهو تصحيف..
٢٦ إصطخر: أطلال مدينة إيرانية قديمة. المنجد في الأعلام (٥٢)..
٢٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية