ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

ثم يحدثنا الحق سبحانه عن نبي آخر من أنبيائه، فيقول تعالى : وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ( ٨٩ ) .
لقد بلغ زكريا – عليه السلام – من الكبر عتيا، ولم يرزقه الله الولد، فتوجه إلى الله : قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( ٤ ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ١مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ( ٥ ) ( مريم ) :
فلما بشره الله بالولد تعجب ؛ لأنه نظر إلى معطيات الأسباب، كيف يرزقه الله الولد، وقد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر، فأراد أن يؤكد هذه البشرى : قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( ٨ ) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ( ٩ ) ( مريم )
يطمئن الله تعالى نبيه زكريا : اطرح الأسباب الكونية للخلق ؛ لأن الذي يبشرك هو الخالق.
وقد تعلم زكريا من كفالته لمريم أن الله يعطي بالأسباب، ويعطي إن عزت الأسباب، وقد تبارى أهل مريم في كفالتها، وتسابقوا في القيام بهذه الخدمة ؛ لأنهم يعلمون شرفها ومكانتها، لذلك أجروا القرعة على من يكفلها فأتوا بالأقلام ورموها في البحر٢فخرج قلم زكريا، ففاز بكفالة مريم :
ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ( ٤٤ ) ( آل عمران ).
وإجراء القرعة لأهمية هذه المسألة، وعظم شأنها، والقرعة إجراء للمسائل على القدر، حتى لا تتدخل فيها الأهواء.
فلما كفل زكريا مريم كان يوفر لها ما تحتاج إليه، ويرعى شئونها، وفي أحد الأيام دخل عليها، فوجد عندها طعاما لم يأت به، ٣ قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) ( آل عمران ).
وهنا ملحظ وإشارة إلى ضرورة متابعة رب الأسرة لأسرته، فإذا ما رأى في البيت شيئا لم يأت به فليسأل عن مصدره. فربما امتدت يد الأولاد إلى ما ليس لهم، إنه أصل لقانون ( من أين لك هذا ؟ ) الذي نحتاج إلى تطبيقه حين نشك.
التقط زكريا إجابة مريم التي جاءت سريعة واثقة، تدل على الحق الواضح الذي لا يتلجلج : قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) ( آل عمران ).
نعم، هذه مسألة يعرفها زكريا، لكنها لم تكن في بؤرة شعوره، فقد ذكرته بها مريم : هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ( ٣٨ ) ( آل عمران ) :
أي : ما دام الأمر كذلك، فهب لي ولدا يرث النبوة من بعدي.
ثم يذكر حيثيات ضعفه وكبر سنه، وكون امرأته عاقرا، وهي حيثيات المنع لا حيثيات الإنجاب ؛ لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب وبغير أسباب.
وهكذا، استفاد زكريا من هذه الكلمة، واستفادت منها مريم كذلك فيما بعد، وحينما جاءها الحمل في المسيح بدون الأسباب الكونية.
وهنا يدعو زكريا ربه، فيقول : رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ( ٨٩ ) ( الأنبياء ) : أي : لا أطلب الولد ليرث ملكي من بعدي، فأنت خير الوارثين ترث الأرض والسماء، ولك كل شيء.

١ الموالي هنا: الأقارب وبنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب. قاله القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٢٤٨)..
٢ ذكره عكرمة والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جرية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت. ويقال: إنه ذهب صاعدا يشق جرية الماء. (تفسير ابن كثير ١ / ٣٦٣)..
٣ يعني: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة في الصيف. قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والعوفي. ذكره ابن كثير في تفسيره (١ / ٣٦٠).
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير