قوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ أي : بعدما ذكر، ولذلك أفرد اسم الإشارة، وقرأ العامة «لَمَيِّتُونَ »، وزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن «لَمَائِتُونَ »١ والفرق بينهما : أن الميّت يدل على الثبوت والاستقرار، والمائت على الحدوث كضيق وضائق وفرح وفارح، فيقال لمن سيموت : ميّت ومائت، ولمن مات : ميّت فقط دون مائت، لاستقرار الصفة وثبوتها، وسيأتي مثله في الزمر٢ إن شاء الله تعالى. فإن قيل : الموت لم يختلف فيه اثنان وكم من مخالف في البعث، فَلِم أَكّد المجمع عليه أبلغ تأكيد٣ وترك المختلف فيه من تلك المبالغة في التأكيد٤ ؟ فالجواب : أنّ البعث لما تظاهرت أدلته وتظافرت، أبرز في صورة المجمع عليه المستغني عن ذلك، وأنّهم لَمَّا لم يعملُوا٥ للموت، ولم يهتموا بأموره، نُزِّلوا منزلة من يُنكره، فأبرز لهم في صورة المنكر الذي استبعدوه كل استبعاد٦. وكان أبو٧ حيان سئل عن ذلك٨، فأجاب أنّ اللام غالباً تخلص المضارع للحال٩، ولا يمكن دخولها في «تُبْعَثُونَ »، لأنه مخلص للاستقبال لعمله في الظرف المستقبل، واعترضَ على نفسه بقوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ١٠ [ النحل : ١٢٤ ] فإن١١ اللام دخلت على المضارع العامل في ظرف مستقبل وهو «يَوْمِ القِيَامَة » فأجاب بأنه خرج هذا بقوله : غالباً، وبأن١٢ العامل في «يوم القيامة » مقدر١٣، وفيه نظر إذ فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه.
و «بَعْدَ ذَلِك » متعلق ب «مَيِّتُونَ »، ولا تمنع لام الابتداء من ذلك١٤.
٢ وهو قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: ٣٠]..
٣ حيث أكد ب "إن" و "اللام"..
٤ حيث أكد ب "إن" فقط..
٥ في ب: يعلموا. وهو تحريف..
٦ في ب: استبعاده. انظر البحر المحيط ٦/٣٩٩..
٧ أبو: سقط من ب..
٨ أي لم دخلت اللام في قوله "لميتون" ولم تدخل في تبعثون؟..
٩ تقدم الخلاف بين البصريين والكوفيين في لام الابتداء الداخلة على المضارع هل تخلصه للحال؟..
١٠ [النحل: ١٢٤]..
١١ فإن: سقط من ب..
١٢ في الأصل: لأن..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٩٩..
١٤ انظر التبيان ٢/٩٥. ولام الابتداء لا تمنع هنا أن يعمل ما بعدها فيما قبلها لأنها مزحلقة عن مكانها وهو الصدر..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود