ﯜﯝﯞﯟﯠ

وبعد هذه العجائب التي رأيناها في مراحل خلق الإنسان وخروجه إلى الحياة والإقرار لله تعالى بأنه أحسن الخالقين، يذكرنا سبحانه بأن هذه الحياة لن تدوم، فيقول تبارك وتعالى :
ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( ١٥ ) :
ولك أن تسأل : كيف يحدثنا الحق- تبارك وتعالى- عن مراحل الخلق، ثم يحدثنا مباشرة عن مراحل الموت والبعث ؟
نقول : جعلهما الله تعالى معا لتستقبل الحياة وفي الذهن وفي الذاكرة ما ينقض هذه الحياة، حتى لا تتعالى ولا تغفل عن هذه النهاية ولتكن على بالك، فترتب حركة حياتك على هذا الأساس.
ومن ذلك أيضا قول الله تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ( ١ ) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.. ( ٢ ) [ الملك ] : كأنه سبحانه ينعى إلينا أنفسنا قبل أن يخلق فينا الحياة، وقدم الموت على الحياة حتى تستقبل الحياة وتستقبل قبلها الموت الذي ينقضها فلا تغتر بالحياة، وتعمل لما بعد الموت.
وقد خاطب الحق- سبحانه وتعالى- نبيه ( ص ) بقوله : إنك ميت وإنهم ميتون ( ٣٠ ) [ الزمر ] : البعض يظن أن ميت بالتشديد يعني من مات بالفعل، وهذا غير صحيح، فالميت بتشديد الياء هو ما يؤول أمره إلى الموت، وإن كان ما يزال على قيد الحياة، فكلنا بهذا المعنى ميتون، أما الذي مات بالفعل فهو ميت بسكون الياء، ومنه قول الشاعر١ :
ليس من مات فاستراح بميت**** إنما الميت ميت الأحياء٢
ومعنى : بعد ذلك ( ١٥ ) [ المؤمنون ] : يعني : بعد أطوار الخلق التي تقدمت من خلق الإنسان الأول من الطين إلى أن قال سبحانه : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) [ المؤمنون ] :
والمتأمل في هذه الآية وهي تحدثنا عن الموت الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه أحد، ومع ذلك أكدها الحق- تبارك وتعالى- بأداتين من أدوات التوكيد : ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( ١٥ ) [ المؤمنون ] : فأكدها بإن وباللام، ومعلوم أننا لا نلجأ إلى التوكيد إلا حين يواجهنا منكر، فيأتي التوكيد على قدر ما يواجهك من إنكار، أما خالي الذهن فلا يحتاج إلى توكيد.
تقول مثلا لخالي الذهن الذي لا يشك في كلامك : يجتهد محمد، فإن شك تؤكد له بالجملة الاسمية التي تفيد ثبوت واستقرار الصفة : محمد مجتهد، وتزيد من تأكيد الكلام على قدر الإنكار، فتقول : إن محمدا مجتهد، أو إن محمدا لمجتهد، أو والله إن محمدا لمجتهد. هذه درجات للتأكيد على حسب حال من تخاطبه.
إذن : أكد الكلام عن الموت الذي لا يشك فيه أحد، فقال : ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( ١٥ ) [ المؤمنون ].

١ - هو: عدي بن الرعلاء الغساني. شاعر جاهلي، اشتهر بنسبته إلى أمه، وضاع اسم أبيه. [الأعلام للزركلي ٤/٢٢٠]..
٢ - ذكره ابن منظور في لسان العرب- مادة: موت..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير