ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالاً فقال : وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً أي علامة تدلّ على عظيم قدرتنا، وبديع صنعنا، وقد تقدّم الكلام على هذا في آخر سورة الأنبياء في تفسير قوله سبحانه : وجعلناها وابنها آيَةً للعالمين [ الأنبياء : ٩١ ]. ومعنى قوله : وآويناهما إلى ربوة إلى مكان مرتفع، أي جعلناهما يأويان إليها. قيل : هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل : بيت المقدس، قاله قتادة وكعب وقيل : أرض فلسطين، قاله السديّ. ذَاتِ قَرَارٍ أي ذات مستقرّ يستقرّ عليه ساكنوه وَمَعِينٍ أي وماء معين. قال الزجاج : هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في منبع. وقيل : هو فعيل بمعنى مفعول. قال عليّ بن سليمان الأخفش : معن الماء : إذا جرى فهو معين وممعون وكذا قال ابن الأعرابي : وقيل : هو مأخوذ من الماعون، وهو النفع. وبمثل ما قال الزجاج قال الفرّاء.
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وقال : يا أيها الذين آمَنُوا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم [ البقرة : ١٧٢ ] ) ثم ذكر :( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء : يا ربّ يا ربّ، فأنى يستجاب لذلك ). وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري في قوله : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات قال : ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. وأخرجه عبدان في الصحابة عن حفص مرفوعاً، وهو مرسل ؛ لأن حفصاً تابعي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني