لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ لكي يهتدوا به (١) من الضلالة.
قال مقاتل: يعني بني إسرائيل؛ لأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه (٢).
٥٠ - وقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً أي دلالة على قدرتنا وعبرة يعتبر بها ويتوصل (٣) بها إلى العلم بتوحيدنا وقدرتنا. هذا معنى قول المفسرين (٤).
قال أبو إسحاق: لم يقل آيتين لأن المعنى فيها (٥) آية واحدة (٦).
وهي ولادة من غير أبْ، فكانت الآية فيها واحدة (٧).
قال: ولو قيل آيتين لجاز؛ لأنَّهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذكر ولا أنثى، من أن مريم ولدت من غير فحل وعيسى كان روحًا من الله ألقاه (٨) إلى مريم ولم يكن هذا في أحد قط (٩).
قوله تعالى: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ أي جعلناهما يأويان إلى ربوة، وهي المكان المرتفع من الأرض (١٠). وقد مر في سورة
(٢) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ أ.
(٣) في (ع): (فيتوصل).
(٤) انظر: "الطبري" ١٨/ ٢٥، والثعلبي ٣/ ٦١ ب.
(٥) في (ظ)، (ع): (لأن المعنى فيهما معنى آية. بزيادة معنى. وليست هذه الزيادة عند الزجاج.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤.
(٧) انظر: "الطبري" ١٨/ ٢٥.
(٨) في (أ): (ألقاها).
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤.
(١٠) انظر: "الطبري" ١٨/ ٢٥، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٤، "تهذيب اللغة" للأزهري ١٥/ ٢٧٣ (ربو).
البقرة (١). واختلفوا في هذه الربوة:
فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق (٢). وهو قول سعيد بن المسيب (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، ومقاتل (٥)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٦).
وقال الحسن والضحاك: هي غُوطَة دمشق (٧).
وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد بيت المقدس (٨).
وهو قول قتادة (٩)، وكعب وقال: (١٠) هو أقرب الأرض إلى السماء
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٩٣، ١٩٤، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٦١ ب - ٦٢ أ.
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٥، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ١٩١، والطبري ١٨/ ٢٦، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٩٤، ١٩٥ وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ١٠١ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني.
(٤) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" ٤/ ٥٦.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ أ.
(٦) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٩٢، ١٩٣ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠١ وقال: بسند صحيح. وزاد نسبته لوكيع والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وتمام الرازي في "فضائل النبوة" بلفظ: أنبئنا أنها دمشق.
وذكره النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٦٢ من رواية عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: نبئت أنّها دمشق.
(٧) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٩٧ عن الحسن. وذكره الثعلبي ٣/ ٦٢ أعن الضحّاك.
(٨) ذكره عنه من رواية عطاء: البغوي ٥/ ٤١٩، وابن الجوزي ٥/ ٤٧٦.
(٩) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٥، والطبري ١٨/ ٢٧، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ٢٠١، وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.
(١٠) في (ظ)، (ع): (قال: وهو أقرب).
بثمانية عشر ميلًا (١).
وهذا القول يروى أيضًا عن سعيد بن جبير (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤).
وروي عن أبي هريرة أنّه قال: هي الرَّمْلة (٥).
وقال السدي عن أصحابه: أنها أرض فلسطين من الشام (٦)
قوله: ذَاتِ قَرَارٍ أي مستوية يستقر عليها.
قال ابن عباس: هي أرض مستوية مرتفعة منبسطة (٧).
(٢) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر. ولم أره عند ابن جرير.
(٣) لم أجد من ذكره عنه.
(٤) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٧٦.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٦، والطبري (ب ١٨/ ٢٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ٢٥١. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وأبي نعيم وابن أبي حاتم.
وإسناده ضعيف، لأنَّ بشر بن رافع قال عنه الذهبي في "المغني" ١/ ١٠٥: قال أحمد وغيره: ضعيف. وقال ابن حجر في "التقريب" ١/ ٩٩: ضعيف الحديث. وفيه أيضًا أبو عبد الله الدوسي ابن عم أبي هريرة قال الذهبي في "المغني" ٢/ ٧٩٥: لا يعرف.
وتعقب الطبري هذا القول بأن الرملة لا ماء بها معين. انظر: الطبري ١٨/ ٢٧. والرَّملة: مدينة بفلسطين، وكانت قصبتها. "معجم البلدان" لياقوت ٤/ ٢٨٦.
(٦) ذكره البغوي ٥/ ٤١٩ عن السدي.
قال الطبري ١٨/ ٢٧ - بعد حكايته للأقوال في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة-: وأولى الأقوال بتأويل ذنك. أنَّها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر. وصَوَّب النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٦٣ هذا القول.
(٧) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٠ بنحوه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال قتادة: ذات ثمار (١). ذهب إلى أنّه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها (٢).
و"قرار": مصدر يراد به موضع قرار كقوله: مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦] وقد مر.
قوله: وَمَعِينٍ قال ابن عباس -في رواية عكرمة-: يعني أنها دمشق (٣).
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المعين: الماء (٤).
وروى جابر (٥)، عنه أنه: الماء البخاري (٦)، وهو قول مقاتل (٧).
وروى سفيان، عنه أنه قال: المعين: الماء الظاهر (٨) (٩).
(٢) هذا قول الطبري. انظر تفسيره ١٨/ ٢٨.
(٣) رواه ابن عساكر ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وانظر تخريج الأثر عن ابن عباس ص ٦٦ فهذا بقيته.
(٤) رواه الطبري ١٨/ ٢٧ من طريق ابن أبي نجيح.
(٥) هو: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، روى عن مجاهد وآخرين. واختلف فيه فوثقه شعبة والثوري، وضعفه الإمام أحمد وآخرون، وكدّبه بعضهم، وكان يؤمن بالرجعة. قال ابن حجر: ضعيف، رافضي.
توفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل: ١٢٨ هـ، وقيل: ١٣٢ هـ.
انظر: "تهذيب الكمال" للمزي ٤/ ٤٥٦ - ٤٧٢، "المغني" للذهبي ١/ ١٢٦، "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٦ - ٥١ و"تقريب التهذيب" ١/ ١٢٣ كلاهما لابن حجر.
(٦) ذكره عن مجاهد بهذا اللفظ -السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. ولم أره عند ابن جرير الطبري.
(٧) انظر "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ أ.
(٨) في (ظ)، (ع): (الطاهر)، بالمهملة، وهو خطأ لأن المراد أنه ظاهر تراه العيون.
(٩) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٨/ ٣٢٩ عند قوله: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ =
وهذا قول عكرمة، وسعيد (١)، والسدي.
واختلفوا في اشتقاق معين:
فقال الفَرَّاء: لك (٢) أن تجعل المعين مفعولًا من العين (٣)، وأن تجعله فعيلًا من الماعون، يكون أصله المَعْن، والمعن: الاستقامة (٤).
واختار الزَّجَّاج وابن قتيبة القول الأول. واستبعد (٥) الزَّجَّاج أن يكون فعيلًا من المعن وقال: هذا بعيد؛ لأنَّ المعن في اللغة: الشيء القليل، ومعين: ماء جار من العيون (٦).
وقال ابن قتيبة: وَمَعِينٍ ظاهر من الماء، وهو مفعول من العين، كأنَّ أصله معيون، كما يقال: ثوبٌ مخيط، وبرٌ مكيل (٧).
واختار أبو علي القول الثاني، وزيف القول الأول، وقال: ليس المعن في اللغة الشيء القليل، ولكنَّه السهل الذي ينقاد ولا يعتاص (٨)،
ثم قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله.
(١) في (أ): (سعيد وعكرمة).
وروى هذا القول عن سعيد: الطبري ١٨/ ٢٧ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ١٩٨ ووقع فيه: "الظاهر" بالمهملة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) (لك): ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): (المعين)، وهو خطأ.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣٧.
(٥) في (أ): (فاستبعد).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٥ مع تقديم وتأخير.
(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٧.
(٨) في (ظ)، (ع): (ولا يعتاض)، وهو خطأ. ويعتاص: يصعب استخراجه. انظر: "لسان العرب" ٧/ ٥٨ (عوص).
ومن هذا يقال: أمعن بحقِّه إذا أقرَّ، ومعنان (١) الماء: مسايله ومجاريه. والماعون: ما يسهل على معطيه من غير أن يكرثه، كالكلأ والماء والنار وسمي الزكاة ماعونًا لهذا (٢).
وروى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: معن الماء يمعن إذا جرى.
[وأمعن أيضًا] (٣)، وأمعنته أنا، ومياه معنان (٤).
ومعنان (٥): جمع معين، كقضيب وقضبان (٦).
قال (٧): ويدلك على (٨) أن الميم فيه فاء [وليس من العين (٩)] (١٠) أن أبا الحسن قال (١١): قد حكي في قوله: وَمَعِينٍ: معن يمعن معانة.
(٢) "الإغفال" لأبي علي الفارسي ٢/ ١١٣٥ - ١١٣٧، وما نقله الواحدي عن أبي علي من قوله: ومن هذا يقال: أمعن... ماعونا لهذا. هو في الإغفال منسوبًا لابن الأعرابي من رواية أحمد بن يحيى.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٤) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" ٣/ ١٦ من رواية ثعلب -أحمد بن يحيى- عنه.
ورواه النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٦٥ بإسناده عن ابن الأعرابي من طريق أحمد بن يحيى "ثعلب".
(٥) (ومعنان): ساقط من (أ).
(٦) انظر: "لسان العرب" ١٣/ ٤١٠ - ٤١١ "معن".
(٧) يعني أبا علي الفارسي.
(٨) في (ظ): (أن).
(٩) (من العين): ساقط من (ظ).
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(١١) "العبارة في الإغفال" ٢/ ١١٣٧: أن أبا الحسن قد حكى في قوله... وأبو الحسن هو الأخفش، ولم أجد كلامه في معاني القرآن.
فمعين فعيل من هذا، لا يتجه على غير ذلك. فأما من ذهب فيه (١) إلى أنه من العين فما أرى قوله لا بعيدًا من الصواب ممتنعًا، ألا ترى أنه لا يقال: عين الماء إذا رؤى جاريًا من العين، وإنّما يقال: عين، إذا أصيب بعين، وله عندنا وجيه (٢) ضعيف، وذلك أنَّ أبا زيد حكى أنهم يقولون للجبان: مفؤود، ولا فعل (٣) له.
وحكى أبو زيد أيضًا أنهم يقولون: مُدَرْهَمٌ (٤) ولم (٥) يقولوا دُرْهِمَ، فيجوز على قياس هذا الذي حكاه أبو زيد أن يكون معين مفعولاً، وإن لم يقل: عين. والقياس على هذا الشَّاذ النادر لا يراه سيبويه (٦)، وليس ينبغي أن يؤخذ بهذا لضعفه، مع (٧) فُشوّ (٨) الأول وكثرته وظهور المعنى الذي وصفناه (٩).
ثم ذكر (١٠) بإسناد له (١١) عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في
(٢) في (أ): (وجه).
(٣) في الإغفال ٢/ ١١٣٨: قال: ولا فعل له.
(٤) مُدَرْهَم: -بفتح الهاء-: كثير الدوام. "لسان العرب" ١٢/ ٦٩٩ "درهم"، "القاموس المحيط" ٤/ ١١١.
(٥) في (ع): (ولا).
(٦) انظر: "الكتاب" ٢/ ٤٠٢، ٤/ ٨.
(٧) (مع): ساقطة من (ظ).
(٨) في (ظ): (فشؤه).
(٩) في (أ): (وصفت)، وفي (ظ)، (ع) والإغفال. (وصفاه).
(١٠) يعني أبا علي الفارسي.
(١١) في (أ): (بإسناده).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي