ﯣﯤﯥﯦﯧ

فذرهم في غمرتهم حتى حين ( ٥٤ ) :
فذرهم.. ( ٥٤ ) [ المؤمنون ] يعني : دعهم، والعرب لم تستعمل الماضي من هذين الفعلين، فورد فيهما يدع ويذر. وقد ورد هذا الفعل أيضا في قوله تعالى : وذرني والمكذبين أولي النعمة.. ( ١١ ) [ المزمل ].
وفي قوله تعالى : فذرني ومن يكذب بهذا الحديث.. ( ٤٤ ) [ القلم ].
والمعنى : ذرهم لي أنا أتولى عقابهم، وأفعل بهم ما أشاء، أو : ذرهم يفعلون ما يشاءون ليستحقوا العقاب، وينزل بهم العذاب.
والغمرة : جملة الماء التي تغطي قامة الرجل وتمنع عنه التنفس، فلا يبقى له من أمل في الحياة إلا بمقدار ما في رئته من الهواء ؛ لذلك يحرص الإنسان على أن يمرن نفسه على أن تتسع رئته لأكبر قدر من الهواء.
ومن ذلك أخذت كلمة المنافسة، وأصلها أن يغطس اثنان تحت الماء ليختبر كل منهما الآخر : أيهما يبقى فترة أطول تحت الماء ودون تنفس.
ويقول تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( ٢٦ ) [ المطففين ] : وتستطيع أن تجري مع نفسك هذه المنافسة، بأن تأخذ نفسا عميقا ثم تعد : واحد، اثنان وسوف ترى مقدار ما في رئتك من الهواء.
فالمعنى : ذرهم في غبائهم وغفلتهم فلن يطول بهم الوقت ؛ لأنهم كمن غمره الماء، وسرعان ما تنكتم أنفاسه ويفارق الحياة ؛ لذلك قال تعالى بعدها : حتى حين ( ٥٤ ) [ المؤمنون ] : والحين مدة من الزمن قد تطول، كما في قوله تعالى : تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.. ( ٢٥ ) [ إبراهيم ].
وقد تقصر كما في قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ( ١٧ ) [ الروم ] : وكأن الله تعالى عبّر بالغمرة ليدل على أن حينهم لن يطول.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير