ثم ينتقل السياق ليعالج قضية قد تشغل حتى كثيرا من المؤمنين :
أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( ٥٥ ) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ( ٥٦ ) :
هذه قضية شغلت كثيرا من المؤمنين حين يرون الكافرين بالله مرفهين منعمين، في يدهم المال والنفوذ، في حين أن المؤمنين فقراء، وربما تشكك البعض واهتز إيمانه لهذه المتناقضات.
ونقول لهؤلاء : لم تكن هذه صورة المؤمنين في الماضي، إنهم سادوا الدنيا بعلومهم وثقافاتهم وازدهرت حضارتهم على مدى ألف سنة من الزمان، فلما تخلوا عن دينهم وقيمهم حل بهم ما هم فيه الآن.
لقد تقدم علينا الآخرون، لأنهم أخذوا بأسباب الدنيا، وينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ أيضا بهذه الأسباب، لأنها من عطاء الربوبية الذي لا يحرم منه لا مؤمن ولا كافر، فمن أحسنه نال ثمرته وأخذ خيره.
قال سبحانه : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ( ٢٠ ) [ الشورى ].
والأسباب يد الله الممدودة لخلقه، فمن رد يد الله إليه فلا بد أن يشقى في رحلة الحياة.
وقد يكون تنعم هؤلاء مجرد ترف يجرهم إلى الطغيان، كما جاء في قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( ٤٤ ) [ الأنعام ].
لذلك فالحق- تبارك وتعالى- يعالج هنا هذه المسألة :
أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( ٥٥ ) نسارع لهم في الخيرات.. ( ٥٦ ) [ المؤمنون ] أيظنون أن هذا خير لهم ؟ لا، بل هو إمهال واستدراج ليزدادوا طغيانا.
وفي موضع آخر يقول سبحانه : ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا.. ( ٨٥ ) [ التوبة ].
وقوله تعالى : بل لا يشعرون.. ( ٥٦ ) [ المؤمنون ] :( بل ) : تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات ما بعدها، إضراب عن مسألة تنعم هؤلاء، لأنها نعمة موقوتة وزائلة، وهي في الحقيقة عليهم نقمة، لكنهم لا يشعرون، لا يشعرون أن هذه النعمة لا تعني محبتهم ورضانا عنهم، ولا يشعرون بالمكيدة وبالفخ الذي يدبر لهم.
وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى حين يريد الانتقام من عدوه يمده أولا، ويوسع عليه ويعلي مكانته، حتى إذا أخذه كان أخذه مؤلما وشديدا.
وقوله تعالى : نسارع لهم في الخيرات.. ( ٥٦ ) [ المؤمنون ] : المسارعة ترد في كتاب الله على معان : مرة يتعدى الفعل بإلى، مثل : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. ( ١٣٣ ) [ آل عمران ] : ومرة يتعدى بفي، مثل : يسارعون في الخيرات.. ( ٦١ ) [ المؤمنون ] : فما الفرق بين المعنيين ؟.
سارع إلى كذا : إذا كنت خارجا عنه، وتريد أن تخطو إليه خطى عاجلة، لكن إن كنت في الخير أصلا وتريد أن ترتقي فيه تقول : سارع في الخيرات. فالأولى يخاطب بها من لم يدخل في حيز الخير، والأخرى لمن كان مظروفا في الخير، ويريد الارتقاء.
تفسير الشعراوي
الشعراوي