قال في الحاشية : لمّا ذكر تعالى غفلةَ الكفار ووعيدهم، عقَّب ذلك بوصف المؤمنين بضد ذلك ويقينهم بالرُّجْعَى، وإشفاقهم من جلال الحق وقهره. هـ.
وإنما كرر الموصول ؛ إيذاناً باستقلال كل واحد من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حِيالها، وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها، وخبر " إنّ " : أولئك يسارعون ، أشار إليهم بالجمع باعتبار اتصافهم بتلك النعوت، مع أنَّ الموصول واقع على الجمع.
ومعنى البُعد ؛ للإشعار ببُعد رُتبتهم في الفضل، أي : أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجليلة يسرعون في الخيرات أي : يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرون إليها. أو يسارعون في نيل الخيرات العاجلة والآجلة الموعودة على الأعمال الصالحات ؛ كما في قوله تعالى : فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ [ آل عمران : ١٤٨ ]، وقوله : وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ النحل : ١٢٢ ]، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم، غير أنه غيّر الأسلوب، حيث لم يقل : أولئك نسارع لهم في الخيرات ؛ بل أسند المسارعة إليهم ؛ إيماءاً إلى كمال استحقاقهم نيل الخيرات لمحاسن الأعمال. وإيثار كلمة " في "، عن كلمة " إلى " ؛ إيذانا بأنهم مُتَقلِّبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها، كما في قوله تعالى : وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ [ آل عمران : ١٣٣ ] الآية.
وهم لهم أي : لأجل نيل تلك الخيرات، سابقون الناس إلى الطاعات، أو : وهم إياها سابقون، واللام زائدة ؛ لتقوية العامل، كقوله : وهم لها عاملون أي : ينالونها قبل الآخرة، فتُعجل لهم في الدنيا، وعن ابن عباس : هم لها سابقون أي : سبقت لهم من الله السعادة، فلذلك سارعوا في الخيرات. ه. فهو إشارة إلى تيسير كلِّ لما خُلِق له، وأنه يَسَّرهمُ القدرُ لما وصفهم به من الخير، كما أن الكفار أُمدوا بما يدعو للغفلة والإعجاب، مما هو استدراج ومكر من حيث لا يشعرون.
قال في الحاشية : والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور، وأول الشرور : حب الدنيا ؛ لأنها مزرعة الشيطان، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده، وشر من الشيطان من يُعين الشيطان على عمارة داره، وما ذلك إلا أنه لم يهتم بأمر معاده ومنقلبه، لما جرى عليه في السابقة من الحكم، ولا كذلك من وصفه في الإشفاق من المؤمنين ؛ إجلالاً لربهم، ورجوعاً لحكمه فيهم غيباً، فلا يأمنون مكره بحال، ولا يركنون إلى أعمال، بل عمدتهم ربهم ورحمته في كل حال. والله أعلم. والحاصل : أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته، ولا يشركون به شيئاً، ويودون طاعته، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه، ولقائهم له ؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأحكامه لا تعلل، ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده. هـ.
قوله :" ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده "، أي : لأنه قد يرتب ذلك على شروط أخفاها عنه، ليدوم خوفه واضطراره، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة ؛ لأنه شغله استغراقه في الحق والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة، إنما خوفه من الإبعاد بعد التقريب، أو الافتراق بعد الجمع، وهذا أيضاً قبل التمكين، وإلا فالكريم إذا أعطى لا يرجع. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي