ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

ثم يقول الحق سبحانه :
وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ( ٧٩ ) :
{ ذرأكم.. ( ٧٩ ) [ المؤمنون ] : بثكم ونشركم في أنحاء الأرض لتعمر كلها، وتعجب حين ترى أناسا متشبثين بالجبال والصحراء القفر الجرداء، ولا يرضون بها بديلا، ويتحملون في سبيل البقاء بها العنت والمشقة، حتى إنك لتقول : لماذا لا يتركون هذا المكان إلى مكان خصب.
وقد رأينا مثل هؤلاء الذين صبروا على أقدار الله في بلادهم، رأيناهم في اليمن بعد أن أغرقها سيل العرم، وكانت تسمى " اليمن السعيد " ورأيناهم في السعودية وفي الكويت، وحكى لنا أهل هذه البلاد ما كانوا فيه من الضيق وقسوة الحياة، ثم جاءتهم عاقبة صبرهم، وجعل الله- سبحانه وتعالى- هذه الجبال وهذه الصحراوات أغنى بلاد الدنيا، لأنهم رضوا في الأولى بقضاء الله، فأبدلهم بصبرهم على لأواء الصحراء نعيما، لو حرم منه المنعمون في الدنيا لماتوا من البرد.
ذلك لأن الخالق- عز وجل- نثر خيراته في كل أنحاء الأرض بالتساوي، فكل قطعة طولية من الأرض فيها من الخيرات مثل ما في القطعة الأخرى، وفي يوم من الأيام كان أصحاب الزرع هم أصحاب المال وأصحاب السيادة، ثم تغيرت هذه الصورة بظهور خيرات أخرى غير الزراعة، فالخيرات- إذن- مطمورة في أنحاء الأرض، لكن لها أوان تظهر فيه.
إذن : فبث الخليقة ونشرها في أنحاء الأرض له حكمة أرادها الخالق عز وجل.
ثم يقول سبحانه : وإليه تحشرون ( ٧٩ ) [ المؤمنون ] : يعني : لا تفهموا أنكم بنشركم في الأرض وتفريقكم فيها أنكم تفلتون منا، أو أننا لا نقدر على جمعكم مرة أخرى، فكما نشرناكم لحكمة نجمعكم لحكمة لا يخرج من أيدينا أحد.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير