ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

ثم يقول الحق سبحانه :
وهو الذي يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ( ٨٠ ) :
يحيي ويميت.. ( ٨٠ ) [ المؤمنون ] : فعلان لا بد أن ينشآ بعد وجود الحياة ووجود الموت، فالخالق- عز وجل- يوجد الحياة أولا، ويوجد الموت، ثم يجري حدثا منهما على ما يريده.
والحياة سبقت الموت في كل الآيات، إلا في آية واحدة في سورة تبارك : الذي خلق الموت والحياة.. ( ٢ ) [ الملك ] : وعلة ذلك أن الله تعالى يعطي للإنسان بالحياة إرادة تنشئ الحركة في كل أجهزته، ولك أن تتأمل : ما الذي تفعله إن أردت أن تقوم من مكانك ؟ ماذا تفعل إن أردت تحريك يدك أو قدمك ؟ إنها مجرد إرادة وتتحرك أعضاؤك دون أن تدري أو تجهد نفسك للقيام بهذه الحركات، ودون أن تباشر أي شيء.
إذن : بمجرد إرادتك تنفعل لك الجوارح وأنت مخلوق لربك، فإذا كان المخلوق يفعل ما يريد بلا معالجة، فكيف نستبعد هذا في حقه- سبحانه وتعالى- ونكذب أنه يقول للشيء : كن فيكون، مع أننا نفعل ما نريد بجوارحنا بمجرد الإرادة، ودون أن نأمرها بشيء أو نقول شيئا، والله سبحانه وتعالى يقول للشيء : كن فيكون، وأنت تفعل دون أن تقول.
وقد قدم الحق سبحانه الموت في هذه الآية : الذي خلق الموت والحياة.. ( ٢ ) [ الملك ] : لأن الحياة ستورث الإنسان غرورا في سيطرة إرادته على جوارحه فيطغى، فأراد ربه- عز وجل- أن ينبهه : تذكر أنني أميت، ليستقبل الحياة ومعها نقيضها، فيستقيم في حركة الحياة.
وصفة الخلق والإماتة صفات لله قديمة قبل أن يخلق شيئا أو يميت شيئا، لأنها صفات ثابتة لله قبل أن يباشر متعلقات هذه الصفات كما قلنا، ولله المثل الأعلى : الشاعر حين يقول قصيدة قالها لأنه شاعر ولا نقول : إنه شاعر لأنه قال هذه القصيدة، فلولا صفة الشعر فيه ما قال.
وكما أن الحياة مخلوقة، فالموت كذلك مخلوق، وقد يقول قائل : إذا أطلقت رصاصة على شخص أردته قتيلا فقد خلقت الموت. نقول : الحمد لله أنك لم تدعي الإحياء واكتفيت بالموت، لكن فرق بين الموت والقتل، القتل نقض للبنية يتبعه إزهاق للروح، أما الموت فتخرج الروح أولا دون نقض للبنية.
لذلك يقول سبحانه : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. ( ١٤٤ ) [ آل عمران ].
والنمرود الذي حاج إبراهيم- عليه السلام- في ربه أمر بقتل واحد وترك الآخر، وادعى أنه أحيا هذا، وأمات هذا، وكانت منه هذه الأعمال سفسطة لا معنى لها، ولو كان على حق لأمر بإحياء هذا الذي قتله، لذلك قطع عليه إبراهيم- عليه السلام- هذا الطريق ونقله إلى مجال آخر لا يستطيع المراوغة فيه.
إذن : هدم البنية يتبعه خروج الروح، لأن للروح مواصفات خاصة، بحيث لا تحل إلا في بنية سليمة، وقد أوضحنا هذه المسألة- ولله المثل الأعلى- بلمبة الكهرباء، فقوة الكهرباء كامنة في الأسلاك لا نرى نورها إلا إذا وضعنا اللمبة مكانها، ويكون لها مواصفات بحيث لا تضيء إلا إذا توفرت لها هذه الصفات، فإن كسرت ينطفئ نورها.
ثم يقول تعالى : وله اختلاف الليل والنهار.. ( ٨٠ ) [ المؤمنون ] : الليل يحل بغياب الشمس وحلول الظلمة التي تمنع رؤية الأشياء، وقديما كانوا يظنون أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من العين على المرئي، ثم جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم، فأثبت خطأ هذه النظرية، وقرر أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من المرئي على العين فتراه، بدليل أنك لا ترى الشيء إن كان في الظلام.
وظلمة الليل تنبهنا إلى أهمية الضوء الذي لا بد منه لنهتدي إلى حركة الحياة، والإنسان يواجه خطورة إن سار في الظلام، لأنه إما أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، أو بأقوى منه فيؤلمه ويؤذيه.
إذن : لا بد من وجود النور لتتم به حركة الحياة والسعي في مناكب الأرض، وكذلك لا بد من الظلمة التي تمنع الإشعاع عن الجسم، فيستريح من عناء العمل، وقد أثبت العلم الحديث خطر الإشعاعات على صحة الإنسان.
لذلك يقول تعالى : وله اختلاف الليل والنهار.. ( ٨٠ ) [ المؤمنون ] : فجعلهما يختلفان ويتعاقبان ليؤدي كل منهما وظيفته في الكون، يقول تعالى : والليل إذا يغشى ( ١ ) والنهار إذا تجلى ( ٢ ) [ الليل ] : وطالما أن لكل منهما مهمته، فإياك أن تقلب الليل إلى نهار، أو النهار إلى ليل، لأنك بذلك تخالف الطبيعة التي خلقك الله عليها، وانظر إلى هؤلاء الذين يسلكون هذا المسلك فيسهرون الليل حتى الفجر، وينامون النهار حتى المغرب، وكم أحدثوا من فساد في حركة الحياة، فالتلميذ ينام في الدرس، والعامل ينام ويقصر في أداء عمله.
والنبي ( ص ) ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله : "... أطفئوا المصابيح إذا رقدتم " ١ لأن الجسم لا يأخذ راحته، ولا يهدأ إلا في الظلمة، فيصبح الإنسان قويا مستريحا نشيطا، واقرأ قول الله تعالى : وجعلنا الليل لباسا ( ١٠ ) وجعلنا النهار معاشا ( ١١ ) [ النبأ ].
ومن دقة الأداء القرآني أن يراعي هؤلاء الذين يعملون ليلا، وتقتضي طبيعة أعمالهم السهر، مثل رجال الشرطة وعمال المخابز، وغيرهم، فيقول تعالى : ومن آياته منامكم بالليل والنهار.. ( ٢٣ ) [ الروم ] : فالليل هو الأصل، والنهار لمثل هؤلاء الذين يخدمون المجتمع ليلا، لذلك عليهم أن يجعلوا من النهار ليلا صناعيا، فيغلقوا النوافذ ويناموا في مكان هادئ، ليأخذ الجسم حظه من الراحة والهدوء.
إذن : الليل والنهار ليسا ضدين، إنما هما خلقان متكاملان لا متعاندان، وهما كالذكر والأنثى، يكمل كل منهما الآخر، لا كما يدعي البعض أنهما ضدان متقابلان، لذلك بعد أن أقسم الحق سبحانه بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، قال : وما خلق الذكر والأنثى ( ٣ ) إن سعيكم لشتى ( ٤ ) [ الليل ] : فالليل والنهار كالذكر والأنثى لكل منهما مهمة في حركة الحياة.
واختلاف الليل والنهار من حيث الضوء والظلمة والطول والقصر وفي اختلاف الأماكن، فالليل لا ينتظم الكون كله، وكذلك النهار، فحين يكون عندك ليل فهو عند غيرك نهار، يقول تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.. ( ١٣ ) [ فاطر ].
وينتج عن هذا تعدد المشارق والمغارب بتعدد الأماكن بحيث كل مشرق يقابله مغرب، وكل مغرب يقابله مشرق، لدرجة أنهم قالوا : ينشأ ليل ونهار في كل واحد على مليون من الثانية.
وينشأ عن هذا كما قلنا استدامة ذكر الله على مدى الوقت كله، بحيث لا ينتهي الأذان، ولا تنتهي الصلاة في الكون لحظة واحدة، فأنت تصلي المغرب، وغيرك يصلي العشاء.. وهكذا. إذن : فالحق سبحانه يريد أن يكون مذكورا في كل الكون بجميع أوقات الصلاة في كل وقت.
حتى إن أحد الصوفية وأهل المعرفة يقول مخاطبا الزمن : يا زمن وفيك كل الزمن. يعني : يا ظهر وفيك عصر ومغرب وعشاء وفجر، لكن عند غيري.
ومن اختلاف الليل والنهار ينشأ أيضا الصيف الحار والشتاء البارد، والحق سبحانه وتعالى كلف العبيد كلهم تكليفا واحدا كالحج مثلا، وربط العبادات كلها بالزمن الهجري، فالصيف والشتاء يدوران في الزمن، ويتضح هذا إذا قارنت بين التوقيت الهجري والميلادي، وبذلك من لم يناسبه الحج في الصيف حج في الشتاء، لأن اختلاف التوقيت القمري يلون السنة كلها بكل الأجواء.
لذلك قالوا : إن ليلة القدر تدور في العام كله، لأن السابع والعشرين من رمضان يوافق مرة أول يناير، ومرة يوافق الثاني، ومرة يوافق الثالث، وهكذا.
ومن اختلاف الليل والنهار أنهما خلفة، كما قال تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( ٦٢ ) [ الفرقان ] :
فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن احكم القضية في كل أطوار زمنها، فما دام الحق- سبحانه وتعالى- جعل الليل والنهار خلفة، فلا بد أن يكون ذلك من بداية خلقهما، فلو وجد الليل أولا ثم وجد النهار، فلا يكون الليل خلفة، لأنه لم يسبقه شيء، فهذا يعني أنهما خلقا معا، فلما دار الزمن خلف بعضهما الآخر، وهذا لا ينشأ إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث يجتمع فيها الليل والنهار في وقت واحد، فالذي واجه الشمس كان نهارا، والذي واجه الظلمة كان ليلا.
ثم يقول سبحانه : أفلا تعقلون ( ٨٠ ) [ المؤمنون ] : لأن هذه المسائل كان يجب أن تعقلوها خاصة، وقد كانت اختلافات الأوقات مبنية على التعقل، أما الآن فهي مبنية على النقل، حيث تقاربت المسافات، وصرنا نعرف فارق التوقيت بيننا وبين جميع أنحاء العالم بالتحديد.
كذلك كان الناس في الماضي ينكرون نظرية كروية الأرض، حتى بعد أن التقطوا لها صورا أظهرت كرويتها وجدنا من مفكرينا من ينكر ذلك. ونقول : لماذا نقف هذا الموقف من نظريات ثابتة قد سبق قرآننا إلى هذا القول ؟ ولماذا نعطي الآخرين فكرة أن ديننا يغفل هذه المسائل، مع أنه قد سبق كل هذه الاكتشافات ؟
ولو تأملت قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض.. ( ٣ ) [ الرعد ] : لوجدت فيه الدليل القاطع على صدق هذه النظرية، لأن الأرض الممدودة هي التي لا تنتهي إلى حافة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت الأرض كروية بحيث تسير فيها، لا تجد لها نهاية حتى تصل إلى الموضع الذي منه بدأت، ولو كانت الأرض على أي شكل آخر غير الكروي مثل المربع أو المستطيل لكان لها نهاية. لكن لم تتوفر لنا في الماضي الآلات التي توضح هذه الحقيقة وتظهرها.
إذن : الحق سبحانه في قوله : أفلا تعقلون ( ٨٠ ) [ المؤمنون ] : ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية، لأنها ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عز وجل، ولماذا يعمل الإنسان عقله ويتفنن مثلا في ارتكاب الجرائم فيرتب لها ويخطط ؟ لكن الله تعالى يكون له بالمرصاد فيوقعه في مزلق، فيترك وراءه منفذا لإثبات جريمته، وثغرة توصل إليه، لذلك يقول رجال القضاء : ليست هناك جريمة كاملة، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه الثغرة.
وكأن الحق- سبحانه وتعالى- يقول : لقد استخدمت عقلك فيما لا ينبغي، وسخرته لشهوات نفسك، فلا بد أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه أمرك، فإن سترتها عليك مرة فإياك أن تتمادى، أو تظن أنك أفلت بعقلك وترتيبك وإلا أخذتك ولو بجريمة لم تفعلها، لأنك لا تستطيع أن ترتب بعقلك على الله، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب.
كما لو فضح الإنسان بأمر هو منه برئ، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة، فتأتي عدالة السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاء لما قد أصابه في الأولى، وهذه مسألة لا يفعلها إلا رب.
والحق- سبحانه وتعالى- حينما ينبه العقل ويثيره : تفكر، تدبر، تعقل، ليدرك الأشياء الكونية من حوله، فهذا دليل على أنه سبحانه واثق من صنعته وإبداعه لكونه، لذلك يثير العقول للبحث وللتأمل في هذه الصنعة.
وهذه المسألة نلاحظها فيمن يعرض صنعته من البشر، فالذي يتقن صنعته يعرضها ويدعوك إلى اختبارها والتأكد من جودتها على خلاف الصنعة الرديئة التي يلفها لك صانعها، ويصرفك عن تأملها حتى لا تكشف عيبها.
فحين ينبهك ربك إلى التأمل في صنعته فعليك أن تدري المغزى من هذه الإثارة لتصل إلى مراده تعالى لك.

١ - أخرجه البخاري في صحيحه (٥٦٢٤) وأحمد في مسنده (٣/٣٨٨) من حديث جابر ابن عبد الله، واللفظ للبخاري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير