ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

قوله تعالى : حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت الآية في ( حَتَّى ) هذه أوجه :
أحدها : أنها غاية لقوله :«بِمَا يَصِفُونَ »١.
والثاني : أنها غاية «لِكَاذِبُونَ »٢.
ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري :«حَتَّى » يتعلق ب «يَصِفُونَ » أي : لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال : أو على قوله :«وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ »٣. قال شهاب الدين : قوله :( أو على قوله كذا ) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير :«حَتَّى » معلقة على «يَصِفُونَ » أو على قوله :«لَكَاذِبُونَ » وفي الجملة فعبارته مشكلة٤.
الثالث : قال ابن عطية :«حَتَّى » في هذا الموضع٥ حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ( ذكره٦ )٧.
قال أبو حيان : فتوهم ابن عطية أن «حَتَّى » إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر٨.
وقال أبو البقاء :( حَتَّى ) غاية في معنى العطف٩. قال أبو حيّان : والذي يظهر لي١٠ أن قبلها جملة محذوفة تكون «حَتَّى » غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير : فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر :
فَيَا عَجَبا حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني١١ ***. . .
أي : يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة١٢.
قوله١٣ : رَبِّ ارجعون . في قوله :«ارْجِعُونِ » بخطاب الجمع ثلاثة أوجه :
أجودها : أنه على سبيل التعظيم١٤ كقوله :
فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ *** وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا١٥
وقال الآخر :
أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ١٦ ***. . .
وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال : إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول : يَا رَحْيَمُون قال : لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ١٧ [ الحجر : ٩ ].
الثاني : أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله :«ارْجِعُونِ »١٨. ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي : ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التف إليه في عود الضمير كقوله١٩ : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ٢٠ [ الأعراف : ٤ ]. ثم قال : أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٢١ [ الأعراف : ٤ ] التفاتاً ل «أهل » المحذوف.
الثالث : أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال : ارْجعنِي ارجعنِي٢٢ نقله أبو البقاء٢٣ وهو يشبه ما قالوه في قوله : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ٢٤ [ ق : ٢٤ ] أنه بمعنى : أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة٢٥ على ذلك، وأنشدوا :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل٢٦ ***. . .
أي : قف قف.

فصل


اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال : حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت ( قَالَ رَبِّ ارجعون )٢٧ ولم يقل : ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب٢٨. وقال الضحّاك٢٩ : كنت جالساً عند ابن عباس فقال : مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل : إنما يسأل٣٠ ذلك الكفار. فقال ابن عباس : أنا أقرأ عليك به قرآناً وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ٣١ [ المنافقون : ١٠ ].
وقال عليه السلام٣٢ :«إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول : رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ٣٣ ٣٤.
واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل : بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة ٣٥.
١ من الآية (٩٦) السابقة..
٢ من الآية (٩٠) السابقة..
٣ الكشاف ٣/٥٦..
٤ الدر المصون ٥/٩٣..
٥ في النسختين: هذه المواضع..
٦ تفسير ابن عطية ١٠/٣٩٩..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ البحر المحيط ٦/٤٢٠..
٩ انظر البحر المحيط ٦/٤٢٠، ما حكاه أبو حيان عن أبي البقاء غير موجود في التبيان..
١٠ لي: سقط من ب..
١١ صدر بيت من بحر الطويل، قاله الفرزدق، وعجزه:
كأن أباها نهشل أو مجاشع ***....

١٢ أي: أن ما بعد (حتى) في البيت دل على الجملة المحذوفة، وفي الآية دل ما قبل (حتى) على الجملة المحذوفة. البحر المحيط ٦/٤٢٠ – ٤٢١..
١٣ مكان: (قوله): بياض في الأصل..
١٤ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١١٣، الكشاف ٣/٥٥، تفسير ابن عطية ١٠/٤٠٠، البيان ٢/١٨٩، التبيان ٢/٩٦٠، البحر المحيط ٦/٤٢١..
١٥ البيت من بحر الطويل، قاله العرجي. والشاهد فيه مخاطبة الواحدة بلفظ جمع المذكر تعظيما. وقد تقدم تخريجه..
١٦ صدر بيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله وعجزه:
فإن لم أكن أهلا فأنت له أهل ***...
وهو في الكشاف ٣/٥٥، البحر المحيط ٦/٤٢١، شرح شواهد الكشاف (٩٩)..

١٧ [الحجر: ٦]..
١٨ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٤٠٠، التبيان ٢/٩٦٠، البحر المحيط ٦/٤٢١..
١٩ في ب: في قوله..
٢٠ من قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون [الأعراف: ٤]..
٢١ من قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون [الأعراف: ٤]..
٢٢ في الأصل: ارجعون ارجعون..
٢٣ قال أبو البقاء: (والثالث: أنه دل بلفظ الجمع على تكرير القول، فكأنه قال ارجعني ارجعني) التبيان ٢/٩٦٠، وانظر أيضا مشكل إعراب القرآن ٢/١١٣ – ١١٤، والبيان ٢/١٨٨..
٢٤ من قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد [ق: ٢٤]..
٢٥ في ب: الدلالة. وهو تحريف..
٢٦ صدر من بيت من بحر الطويل، قاله امرؤ القيس وعجزه:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
وهو مطلع معلقته، وقد تقدم..

٢٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٨ تقدم قريبا..
٢٩ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٠..
٣٠ في ب: سأل..
٣١ [المنافقون: ١٠]..
٣٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٣ أخرجه الديلمي عن جابر. انظر الدر المنثور ٥/١٥..
٣٤ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢٣/١٣٠..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٢٠-١٢١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية